- فرحة-
ظلام حالك، لا صوت، فقط رائحة غريبة شعرَت بها إيمان، كانت في العاشرة من عمرها، هذا الموقف كان غريبا عليها، لم تره في حياتها حتى في أبشع كوابيسها، جعلت تتحرك يمينا وشمالا، تتلفت حولها لعلها ترى شيئا، تصرخ بأعلى صوتها ))أمي،أمي))، استمرت في ذلك يصحبها بكاء حار ، ودموع ساخنة، وأنفاس لاهثة..
(( لا تخافي يا إيمان، أنت في أمان هنا))،
فزعت إيمان وقالت(( من هناك، أخرجني ...أرجوك))، ردد الصوت مرة أخرى برتابة(( لا تخافي يا إيمان، أنت في أمان هنا))، لم تدرك الصغيرة أنه كان نداء من عقلها هي، كان يريد أن يخفف عن تلك المسكينة حتى لا تصاب بانهيار ولا ترى ما أراد عقلها أن يريها إياه، تبدل المشهد أمام إيمان وحل مكان الشاشة السوداء شاشة أخرى، تبث من ذلك العالم الحيّ، انتعش فؤادها عندما أبصرت نورا يخرج من تلك الشاشة التي رسمها عقلها فأخذت تتابع باهتمام...
كانت أرضا تعرفها جيدا، أرض غزة، البيوت، الناس، المزارع وحتى المحال التجارية، كلها كانت في مكانها لم يتغير منها شيئ، كان هناك شيئ واحد مختلف،
راياتٌ للنصر انتشرت في أرجاء القطاع، احتفالات مهيبة، أناس يرقصون، يهودٌ على بعد أمتار قليلة يقبعون في صورة جثث هامدة، أمُّها.. رأت أمًّها بين تلك الحشود.. كانت تكبر وتهلل وتنثر الورود.. إخوانها الصغار يلعبون، الكل فرحٌ، كانت هناك هتافات تخرج من أفواه الشباب تقول(( الله أكبر .. عاد الأقصى!!))
، عند تلك النقطة قفزت إيمان من مكانها بفرحة، وانسابت دموعها- دموع الفرح-
على خديها الجميلين، أخذت تهتف هي الأخرى بلا وعي(( الله أكبر .. عاد الأقصى!!))، انتبهت لأول مرة أنه يوجد باب أمامها، خرجت منه مسرعة، وعندما لمحت ذلك الضوء من بعيد، كانت فرحتها لا توصف في تلك اللحظة، فقد عادت إلى الحياة وعاد الأقصى أيضا!!..
شهقة قوية أطلقتها إيمان! كانت عاية ورغم ذلك لم يسمعها من حولها من الناس، جرافات أخذت معها جزءا من المسجد الأقصى! هذا ما رأته إيمان، انتفض قلبها بين ضلوعها، تجمدت لحظة في مكانها، كان المنظر مريعا بل مذهلا أيضا،
صرخت(( كيف ذلك؟! لقد حُرر المسجد الأقصى!))، صوت يملؤه الأسى أجابها((من مَن حُرر يا بنيتي.. أنت تشاهدين بأم عينك ما حلّ بباب المغاربة))
كان هذا الصوت مألوفا لكنها لم تشغل بالها بالتفكير فيه فهزت رأسها بقوة قائلة((لا، لا، أنا واثقة من بأن المسجد الأقص قد عاد.. رأيتهم يهتفون بذلك!!))
- الصوت الحزين(( من رأيت يا إيمان؟))
- إيمان(( شباب في غزة كانوا يهتفون بذلك.. نعم وقد تحررت غزة أيضا!))
- الصوت الحزين(( آهٍ، ذكرتني بغزة))
- إيمان (( وما باها هي الأخرى.. تستنشق عبق الحرية كل صباح ومساء))
- الصوت الحزين (( تعالي أريك غزة وما صنع بها الدهر..))
لم تكن تلك غزة، أقسمت على ذلك الطفلة إيمان، إنها تعرف غزة جيدا.. كان بها كهرباء، بل كان فيها حياة، رأت الأطفال في تلك المدينة يموتون أفواجا، والمستشفيات ممتلئة.. ليس بالمرضى.. بل بالجثث!!
في نفس اللحظة دوى صوت صاروخ قد نزل على ذلك المسجد، صاحت إيمان بكل قوتها(( لااااا، إلا هذا المسجد ، لقد ترعرعت فيه..))..لم يكن الصاروخ قد سمعها، ولو كان يسمع لربما حن ذاك الجماد القاتل وتوقف في مكانه من شدة فزعها، أصاب الصاروخ هدفه وكأنه أصاب قلب إيمان....
جثمت إيمان على ركبتيها، لم تكن تسمع حينها غير أصوات الموت... الجوع... الخوف... الرعب... الدمار، لم تنزل دموعها هذه المرة فقد تجمدت في مقلتيها، نهضت واقفة تنظر نظرة أخيرة إللى غزة، ثم أدارت وجهها عن محبوبتها وغادرت مسرعة نحو باب أسود مخيف في نهاية مرمى عينها...
هتف بها الصوت الحزين(( إلى أين يا إيمان؟!))
تلفتت إليه إيمان بوجه شاحب قائلة:-
إلى النصر يا أبت...إلى مكان أجد فيه فرحة...ولو كانت زائفة...إلى القبر يا أبت...
... وأغلقت الباب خلفها بقوة.
- تمت بحمد الله -
معتز... 2/4/2008م