أنت غير مسجل في سلفيت نت . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
الرئيسية التسجيل التحكم اتصل بنا  
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم [اعتبر جميع المواضيع مقروءة]

العودة   سلفيت نت > ~¤®§][©][المنتديات العامة][©][§®¤~ > فلسطينيات > منتدى الوطنيات الفلسطينية

 

الإهداءات
حبيب القمر من 2albi : masa2 al5er w alward w alfull w alyasmin la7la a3da2 w moshrfen almontda w ta7yate elkom jame3an انا الحزن وهوه مالكني من عالم حزين : شكرا يا كبتن كتير على حرق الدم مسلمة من ايام العشر من ذي الحجة .... قال رسول الله صل الله عليه وسلم : "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام (يعني العشر)،قالوا: "يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟" قال"ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" MMMOTAZZZ من ابواب القدس العتيقه : مسااااااااء الخير لكل اعضاء منتدى سلفيت نت منورين المنتدى واهلا وسهلا بزوار المنتدى واعضاءه الجدد يعطيكم العافيه LORD من سلفيت : مرحبا اخواني اعضاء سلفيت نت انا حبيت اني اكون عضو في المنتدى واحب ان يكون لي اصدقاء يصلني منهم رسائل ابو غضب من الاقصى : مساء الخير ارسلها على جناح الطير الي احلى اعضاء في منتدي سلفيت نت ولكم مني اجمل التحياتي واتمني انكم تسهروا ليلي من ليالي العمر الساحرة من القدس : مساء الخير لكل أعضاء و اداريين سلفيت نت اشتقتلكم

إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-Sep-2007, 06:44 AM   رقم المشاركة : [11 (permalink)]
العضوة الكسولة

 الصورة الرمزية دموع القمر
 





دموع القمر will become famous soon enough

افتراضي

• جبرا إبراهيم جبرا
أما أعمال جبرا إبراهيم جبرا (1917 – 1994) القصصية فقد بشّرت بميلاد مستوى مختلف من القصص، ومهّدت الطريق أمام اتجاه جديدة أكثر حداثة. وكانت أولى التجارب القصصية لجبرا (الذي قدّر له أن يصبح، فيما بعد، واحداً من أبرز روائيي فلسطين) مجموعة من القصص القصيرة نشرت بعنوان عرق وقصص أخرى (1956). وكان جبرا قد مضى سني الحرب العالمية الثانية في كيمبردج بانجلترا للحصول على شهادة عليا في الأدب، فتشرّب الثقافة الغربية، وحصل على ثقافة أدبية ونقدية واسعة بشكل أفاد الحركة الحديثة في الأدب العربي.
تضمّ مجموعة عرق تسع قصص قصيرة، تتناول خمس منها التجربة الفلسطينية قبل الشتات، وتتناول ثلاث منها تجاربه في العراق (حيث هاجر بعد نكبة سنة 1948 وحصل على الجنسية العراقية)، والقصة الأخيرة، هي في ثلاثة أجزاء، تتناول حياته في إنجلترا. ولقد أظهر جبرا منذ البداية إعجابه الشديد بالثقافة الغربية وانسجامه العميق معها خلافا ً للمواقف والاتجاهات الثقافية السائدة آنذاك. ونجد في أعمال جبرا كلها توجّهاً إلى الصفوة المثقفة من القرّاء لما يسمها من نزعة فكرية واضحة، وميل لشرح الأفكار والقضايا التي أرّق بعضها المثقفين العرب طوال الفترة التي تلت عام 1948، كما جاء بعضها الآخر من ثقافة غربية تكنولوجية معقّدة ليفرض نفسه على الثقافة العربية المعاصرة التي لم تبلغ المرحلة الصناعية بعد. غير أن قرّاء القصة، في الخمسينات وأوائل الستينات، أبدوا إعجاباً يمكن تفهّمه بهذه الاتجاهات والمفاهيم، التي تناولتها هذه المجموعة المبكّرة من قصص جبرا.
وقد عبّر توفيق صايغ، الذي كتب مقدمة عرق عن قبوله التّام لمعالجة جبرا لموضوعي الحب والمدينة في بعض القصص، وعن إعجابه الواضح بهذه المعالجة – دون أن ينتبه فيما يبدو إلى أنّ وصف جبرا للخلل والانحلال يصحّ على المدينة الصناعية الغربية أكثر مما يصحّ على المدينة العربية في ذلك الوقت. لا ريب في أن العواصم العربية كانت قد بدأت، مع حلول منتصف القرن، باجتذاب أعداد متنامية من سكّان الأرياف الساعين للحصول على عمل أو حياة أفضل أو للدراسة أحياناً، لكن المشكلات الوجودية التي كانت تجابه هؤلاء المهاجرين لم تكن ذات صلة كبيرة بالتفسيرات المعقّدة ذات الصبغة لم تكن ذات صلة كبيرة بالتفسيرات المعقّدة ذات الصبغة الغربية الخالصة التي أضفاها عليها جبرا. ولنأخذ موضوع الحبّ في المدينة العربية على سبيل المثال، وهو موضوع تناوله الشاعر السوري نزار قبّاني في الفترة نفسها بقدر كبير من رهافة الحسّ، وهو من أشد الشعراء العرب الحديثيين التصاقاً بالمدينة وحياتها، إذ كان قد ولد وترعرع في مدينة دمشق العريقة، نجد أن شعر قبّاني، الذي حاز على شعبية ربّما فاقت شعبية أي شعر سواه في المجتمعات العربية، يصوّر حياة المدينة وعاداتها وسلوكياتها ومواقفها ومعاييرها دون الخلط بين تجارب العرب – رجالاً ونساءً – في الحب، وبين مفاهيم الاغتراب، بل العقم، التي تزخر بها أعمال جبرا،فالحبّ في شعر قبّاني تجربة متعدّدة الألوان والمستويات، كما أنه تجربة لا تتصف بالعجز أو الفتور. وإذا جنح الحب أحياناً إلى الانحراف فليس ذلك بسبب الاغتراب أو الوحدة اللذين يسمان المدينة الأوروبية.(57) ومدينة قبّاني، وهي موجودة دائماً في ثنايا القصيدة، وأحياناً – كما في قصائده عن بيروت – في المقدّمة، مدينة مليئة بالحياة والحيوية، تفسح المجال للعديد من مواقف الحب، بما في ذلك البغاء والسحاق، ولكنها ليست بالمدينة العقيمة أو الميّتة، بل هي مدينة يحيا فيها الناس معاً، حيث يجدون المتعة، وتتوفّر لهم فرص المغامرات الجنسية والعلاقات السريّة. أما مدينة جبرا فهي مدينة حوّلت الرجال إلى كائنات مصابة بالعنّة، فأرغمت نساءها إما على إنشاء العلاقات المتعدّدة أو المساحقة تلبيةً لحاجاتهم الجنسية.
ومع أن جبرا استخدم القصّة القصيرة للتعبير عن أفكارٍ أخذها عن الغرب مباشرة، دون أن يثبت بشكل قاطع صلة هذه الأفكار بالحياة العربية في ذلك الوقت، فإن قصصه كانت مصدر إلهام للصفوة من القرّاء في تلك الفترة، كما أكسبته مكانة أدبية مرموقة. ولم يكن المستعار والمفاهيم المستوردة التي أدخلت إلى الأدب قبل أن يكون الوضع الاجتماعي والثقافي مستعداً لتقبّلها بشكل طبيعي.(58)
وقد عرضت معظم قصص جبرا في هذه المجموعة،وخاصة قصصه عن الحياة البغدادية، موقفاً فكرياً مفتعلاً، وكانت بعض أفكاره، كتلك التي يقدّمها حول الالتزام الأدبي في أصوات الليل، ذات صلة بما يجري حوله، إذ إنها تعكس النقاش الذي كان يدور وقتئذ حول الموضوع في الدوائر الأدبية العربية.
إلاّ أن الأفكار الأخرى في القصة نفسها، التي تتناول الحب والعقم وقذارة المدينة مقارنة بحريّة الصحراء وفحولتها، لا تبدو لنا أفكاراً صادقة. ومع أن نظرة جبرا للمدينة تغيّرت فيما بعد تغيّراً جذرياً فإن انشغاله بقضايا الفكر ظلّ يتملّكه ويسود أعماله القصصية الواحد تلو الآخر.
• سميرة عزام
أما سميرة عزام (1924 – 1967) فكانت الكاتبة الثالثة من كتّاب القصّة الفلسطينيين الذين اشتهروا في الخمسينات،وهي من مواليد مدينة عكّا الساحلية، وقد اضطّرت إلى مغادرة وطنها في هجرة عام 1948. وعاشت، قبل وفاتها المبكّرة عام 1967، في قبرص أولاً موظفة في محطة الشرق الأدنى للإذاعة العربية التي كان يديرها البريطانيون، ثم في بغداد، وأخيراً في بيروت، حيث نشطت في الحركة الأدبية في تلك المدينة المحبّة للأدب. كانت تجربتها الأدبية مستمدّة من نظرة واقعية للحياة، ولكنها نظرة تحكمها الضوابط الأدبية، وقد أجادت في تصوير العديد من مناحي التجربة الإنسانية، ومنها تجارب المرأة المتنوعة في الثقافة العربية، وتميّز أسلوبها بالدّقة والإيجاز والوضوح والبعد عن العاطفية المفرطة والاستعراض والابتذال. وتنبثق قصصها من الملاحظة الحذقة للسلوك الإنساني، خاصةً في المناحي الشمولية،وأحياناً، ولكن بقدر أكبر من البراعة، في تلك المناحي ذات الصبغة الفلسطينية(59). وكانت بارعة في تعليل ما يصيب أبطالها من تغير لا مناص منه – وهو ما تتميّز به القصة القصيرة الجيّدة. فقصّتها دموع للبيع مثلاً (60) تعرض معالجةً رائغة لموضوع إنساني عام ضمن إطار الشرق الأوسط. تصف في هذه القصة ردّ الفعل المتناقض الذي تبديه امرأة تمتهن النواح على الموتي، وتقتضي مهنتها أن تبكي في المآتم وتستدرّ دموع الآخرين، ولكنه تخيّب كل التّوقعات عندما لا تستطيع أن تذرف دمعة واحدة لدى موت ابنتها الوحيدة. والقصة التي تضمها هذه المجموعة بعنوان خبز الفداء هي إحدى القصص التي كتبتها عن التجربة الفلسطينية، وهي، على شاكلة العديد من قصصها الأخرى، تعبّر عن المفارقة الكامنة في المآزق الإنسانية المعقّدة إبان الاضطرابات العنيفة.
بدأت سميرة عزام الكتابة عام 1948، ويستدل من أعمالها وأعمال جبرا القصصية المبكّرة على أن وعي الكتّاب الفلسطينيين، في تلك الفترة، بالأحداث الخطيرة، التي كانت على وشك الاستحواذ على حياتهم وحياة الكثيرين سواهم، كان وعياً محدوداً.
وإذا ما قارنا بين الأعمال التي كتبت في تلك الفترة المبكّرة قبل سنة 1948 وبعدها مباشرة، وبين أعمال الكتّاب الفلسطينيين بعد حرب حزيران سنة 1967، بما فيهم جبرا نفسه (حيث أن سميرة عزّام توفيت عام 1967) يتبيّن لنا كيف أن الوعي السياسي أخذ يزداد هيمنة على الكتّاب الفلسطينيين في كلّ مكان، وكيف ارتفع مستوى التوقّعات السياسية لجمهورهم بالدرجة نفسها.
لقد تطوّرت القصة القصيرة بالعربية، على خلاف الشعر العربي، إبداعاً واعياً متحرّراً فنّياً من القبضة القوية للتراث الشديد الرسوخ. ولكن القصة القصيرة الفلسطينية وجدت نفسها، مع تنامي الوعي السياسي، أسيرة الوضع الوجودي الذي كان يحياه الفلسطينيون، وسرعان ما أوجدت تقاليد تتعلّق بالموضوعات وتقوم على واقع التجربة الفلسطينية، وبذا فقدت جانباً من الحرية التي تتمتع بها القصة القصيرة لا في الغرب وحسب، بل في بقية أنحاء العالم العربي، حيث بقيت القصة أكثر حرّية في اختيار التجارب التي تتناولها.
• سميرة عزّام وجبرا
وعندما بدأ كل من سميرة عزّام وجبرا الكتابة كانا ما يزالان يتمتّعان بهذه الحرية رغم أن سميرة عزّام كانت، لما تمتّعت به من نظرة شاملة تجاه التجربة الإنسانية، أكثر تمثيلاً لإمكانات الثقافة العربية الأشمل. ولو قارنا أعمال سميرة عزّام بأعمال جبرا التي تفوقها في التعقيد والمهارة، لقلنا إن جبرا ترجم الواقع، في عدة قصص من عرق، إلى واقع آخر عديم الصلة به في الغالب، بينما بقيت سميرة عزام مخلصة لإمكانات الواقع الحي في العالم العربي، ولكنها ارتقت به إلى مرتبة الفن. إضافة إلى ذلك فإن بعض قصص جبرا في عرق لا تحاول، من الناحية الفنّية، أن تصل إلى لحظة ينحلّ فيها التوتّر، كي ترى العالم في حبّة رمل- كما يقال – بل تسعى، كما في أصوات الليل إلى تقديم نظام كامل من الأفكار في قصة واحدة.أما سميرة عزّام فتمارس الانضباط الناجح الذي تفرضه على نفسها، وهو انضباط يتطلّبه الشكل الفني الجديد – القصة القصيرة في هذه الحالة – ولا بدّ له من أن يكتشف بنفسه قواعده ومبادئه الخاصة به. ويعكس عملها احتراماً عميقاً لأدواتها الفنيّة والتزاماً بمبادئ القصة القصيرة بوصفها شكلاً فنيّاً يسعى إلى الإمساك بلحظة من لحظات الواقع، حيث يصوّر بدقة مرحلة من مراحل الفعل ويحافظ – كما تقول إليزابيث بوون – على التدليل الموضوعي وليس على السّرد الشخصي.(61) إن أعمال سميرة عزّام لا تملك ما لجبرا من بلاغة وتوهّج في الأسلوب أو عمق في الأفكار، وأفضل أعمالها هي التي تصوّر التجارب الاجتماعية الشاملة (والأنثوية منها بشكل خاص)، ولكن حين تتناول التجربة الفلسطينية فإن قصصها القصيرة هي خير ما يمثّل القصة القصيرة الفلسطينية في عقدي الخمسينات والستينات باستثناء قصص غسّان كنفاني.
• غسان كنفاني
دخل غسّان كنفاني الحقل الأدبي فعليّاً في أوائل الستينات عندما نشر مجموعته موت سرير رقم 12، وهي مجموعة من سبع عشرة قصة قصيرة. وإذا كانت عبقرية هذا الكاتب قد احتاجت إلى بعض الوقت حتى يتعرّف عليها الناس تعرّفاً كاملاً، فإن ذلك يعكس نواحي الضعف في النّقد الأدبي آنذاك، إذا لم يكتشف ذلك النقد ما كان كنفاني قادراً على تحقيقه من العمق والتنوّع. ومع أن القصص في هذا الكتاب (على غرار المجموعات الثلاث الأخرى التي ظهرت فيما بعد) تتفاوت في النضج الفني، فإن عدداً كبيراً منها يعتبر من أقوى القصص القصيرة في الأدب العربي الحديث مثل موت سرير رقم 12، و لؤلؤ في الطريق، و ثماني دقائق و قلعة العبيد، وستة نسور وطفل و الخراف المصلوبة، و القصة التي أعتقد أنها سيرة ذاتية بعنوان في جنازتي. أما مجموعته الثانية، وهي أرض البرتقال الحزين(1963) فتضمّ عشر قصص، وتركّز على تجربة الفلسطينيين المتنوّعة المصطبغة أبداً بالصبغة المأساوية. وقد اشتهرت الثلاثية المعنوية ثلاث أوراق من فلسطين بوصفها تصويراً لأحداث ممكنة على درب النفي الفلسطيني الشاق. وقد ضــمّت مجموعته الثالثة، بعنوان عالم ليس لنا (1965)، خمس عشرة قصة تكشف عن رهافة حسّه بوصفه مراقباً للسلوك الإنساني في مظهره الشامل، في قصصه المتميّزة من أمثال الصقر و كفر المنجم و الشاطئ وعطش الأفعى و لو كنت حصاناً و المنزلق. أما مجموعته الرابعة بعنوان عن الرجال والبنادق (1968) فق نذرها للتجربة الفلسطينية.

(يتبع)
توقيع دموع القمر
 
[
سلام اذا حان وقت مماتي,,,وغطى التراب الطهور رفاتي
فــــلا تــذكرونـــي بسوء,,, فيكفي حبي لكم طوال حياتي
دعوني أنم في قبري سعيدة,,, وعذرا عن كل ماضٍ وآتي ...
دموع القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس


قديم 02-Sep-2007, 06:47 AM   رقم المشاركة : [12 (permalink)]

 الصورة الرمزية محمود عفانه
 





محمود عفانه has a reputation beyond reputeمحمود عفانه has a reputation beyond reputeمحمود عفانه has a reputation beyond reputeمحمود عفانه has a reputation beyond reputeمحمود عفانه has a reputation beyond reputeمحمود عفانه has a reputation beyond reputeمحمود عفانه has a reputation beyond reputeمحمود عفانه has a reputation beyond reputeمحمود عفانه has a reputation beyond reputeمحمود عفانه has a reputation beyond reputeمحمود عفانه has a reputation beyond repute

إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى محمود عفانه

افتراضي

يسلموووووووووووووووووووووووووووووووو ماما على هل الموضوووووووووووع

محمود عفانه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-Sep-2007, 06:47 AM   رقم المشاركة : [13 (permalink)]
العضوة الكسولة

 الصورة الرمزية دموع القمر
 





دموع القمر will become famous soon enough

افتراضي

الروايـــة

• غسان كنفاني
بدأ الكنفاني الكتابة أثناء اشتغاله مدرساً في الكويت. وفي عام 1959 عاد إلى دمشق، حيث كانت أسرته تعيش منذ شتات عام 1948، ثم انتقل إلى بيروت حيث أصبح المتحدّث باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. ومع أنه كان يعاني من مرض السكّري، إلاّ أن نشاطه الكتابي كان بغير حدود، فقد تابع، إلى جانب تحريره لجريدة الجبهة، تجاربه القصصية، ووصل إلى مستويات رفيعة من الإبداع في رواياته القصيرة الثلاث رجال في الشمس(1963) و ما تبقى لكم (1966) و عائد إلى حيفا(1969).

كانت رواية رجال في الشمس(62) أول رواية أكسبته الشهرة بين نقّاد الأدب العربي. والقصة تعالج مشكلة البقاء، إذ يحاول ثلاثة رجال، من أعمار مختلفة ومنابت اجتماعية متباينة، الدخول إلى الكويت (التي كانت آنذاك أرض اللبن والعسل التي تعد بإعاشة الكثير من الفلسطينيين الذين لا مأوى لهم ولا مصدر رزق). وكانت هناك شائعات يتناقلها الناس في العالم العربي عن تهريب فلسطينيين لا يحملون جوازات سفر إلى داخل الكويت في الصهاريج الكبيرة التي تنقل المياه إلى تلك الدولة الصحراوية الصغيرة من البصرة (كانت تلك أيام الكويت الأولى قبل بناء منشآت التحلية الضخمة).
وتتحدث القصة عن واحد من هذه الصهاريج يملكه سمسار اسمه أبو الخيزران، وهو فلسطيني كان قد اشترك في حرب 1948 وأصيب فيها بجراح أورثته العنة. وبعد أن يتقاضى أبو الخيزران أجر باهظاً من أبطال القصة سيئ الطالع، يخبئهم في صهريج الماء الفارغ، قبل الوصول إلى الحدود، بنيّة إخراجهم عند الابتعاد عن شرطة الحدود. غير أن موظّف الجمرك يختار هذه المرة أن يتباطأ في عمله ويهدر وقتاً ثميناً في تبادل النكات مع أبي الخيزران حول مغامرات الأخير المزعومة مع العراقيات. ويختنق الرجال الثلاثة عندما يطول حشرهم في الصهريج اللاهب. وتنتهي القصة نهاية مثيرة للمشاعر، حيث يلقي أبو الخيزران بالجثث الثلاث في المزبلة ( وذلك بعد أن يجرّدهم من كل ممتلكاتهم)، وهو يصرخ: لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟ وتؤكد هذه القصة على المفارقة الكامنة في بؤس التجربة الفلسطينية التي أعقبت نكبة 1948 مباشرة وعلى سعي الفلسطينيين المضني من أجل البقاء، وعلى تماثل التجربة المأساوية لدى الجميع لدى اختلاف منشئتهم ومستوياتهم، وفوق كل شيء، تؤكد القصة على ما أصاب روح هؤلاء الفلسطينيين جميعهم من إحباط وكبت نتيجة لما تعرّضوا له من رفض مدمّر وظروف قاسية في هذا العالم العربي الواسع. لذا فقد تركوا الوقت الثمين ينزلق من بين أيديهم، وقد خدّرهم الخوف وهم يتلهّفون على تحقيق حلمهم في الكويت.
هذه القصة الرمزية ذات الأهمية الفائقة، بتصورها المكثّف المليء بالحيوية للعالم المادي والنفسي للفلسطينيين الأربعة، وضعت كنفاني في الحال في طليعة كتّاب القصة في الأدب العربي، والأدب الفلسطيني على وجه الخصوص.
أما روايته الثانية، ما تبقى لكم (63) ، فهي من أبرع ما كتب في القصة الفلسطينية والعربية، وهي محاولة مبكّرة أصيلة، أغلب الظنّ أنها لم تكن واعية، لتحديث الأدب القصصي العربي. ونه لمن المؤسف حقاً أن يموت غسان كنفاني في شبابه ولمّا تندمج بعد هذه الدفقات الحداثية المتقطّعة التي نراها في أعماله في تيّار متجانس ثابت الجريان. ولكن مما يثلج صدر الناقد أن يرى كيف أن كنفاني (وغيره من أوائل الحداثيين أو شبه الحداثيين من أمثال توفيق صايغ ومحمد الماغوط المولود عام 1934) (64) كانوا يجرّبون هذه الوسائل الحداثية بجرأة قبل أن يبدأ الحديث عن الحداثة في الأدب العربي بسنوات طويلة، وما يستوقف النظر أكثر من ذلك أن كتابات هؤلاء المبدعين الثلاثة إلى جانب كتابات الشاعر المصري صلاح عبد الصبور (1931 – 1981)، وهو كذلك من أوائل الحداثيين، لم تحتل هي مركز النقاش عندما غدا موضوع الحداثة موضوعاً رئيسياً في الأدب العربي بدأت بداية مفاجئة لم يجر التمهيد لها بالنظريات أو البيانات – وفي هذا دلالة تكشف أن الفن يعمل بشكل طبيعي في اللاوعي عند الكتّاب المبدعين ويدفع بالمُرهفين منهم نحو الانعطاف في اتجاه معيّن.
نستطيع في حالة كنفاني أن نرى كيف أن عبقريته، التي استجابت بشكل مرهف للإمكانات الفنّية التي سادت في أيّامه، كان عليها أن تصارع عبء الالتزام الثقيل، الذي كان يشعر أنه مدين لشعبه بوصفه كاتباً كرّس نفسه لقضيّته، وربما يفسّر هذا ما أُشرتُ إليه من تفاوت في أعماله من حيث الكمال الفني. كما أن المستوى النقدي في تلك الفترة كان ما يزال يؤثر بوضوح فلم تحرز رواية ما تبقى لكم ما أحرزته رواية رجال في الشمس من استحسان، بسبب ما تتصف به هذه الأخيرة من وضوح في تعريفها لفلسفة البقاء وللمفارقة الكامنة في أساس السلوك الإنساني. أما روايته القصيرة الثالثة، وهي عائد إلى حيفا التي تدرس مشكلتي الهوية والانتماء دراسة عميقة، فليست عسيرة على فهم القارئ العادي.
ويبدو أن كنفاني، كان يكتب كما لو كان مدفوعاً بالفطرة ليخاطب عامة القرّاء أحياناً والمثقفين منهم أحياناً أخرى. وتصوّر عائد إلى حيفا مشكلة زوجين فلسطينيين يعودان إلى حيفا عندما تفتح الحدود بين إسرائيل والضفة الغربية بعد حرب حزيران سنة 1967 ليكتشفا أن ابنهما الذي تركاه عندما هربا عام 1948، نشأ إسرائيلياً على يدي زوجين يهوديين. إنها قصة مؤثرة تدور حول الصراع بين الولاءات المتعارضة، ويخيّب الكنفاني توقّعات قرّائه عندما يجعل الشاب يختار البقاء مع أولئك الذين قاموا بتربيته. والمهم هنا، فيما يشير كنفاني،ليس القومية الساذجة بل الصلة التي تدوم مدى الحياة، وليس صلات الدم بل المناحي الثقافية والإنسانية للحياة.
ويبدي كنفاني في مقدّمته القصيرة للرواية ما تبقّى لكم إدراكاً كاملاً للبنية المعقدة التي اختارها، إذ يوجد في الرواية خمس شخصيات رئيسة (أما الجندي الإسرائيلي الذي يظهر في آخر القصة فهو شخصية ثانوية). وهذه الشخصيات هي حامد ومريم وزكريا والزمن والصحراء. وهناك محاولة بارعة وناجحة لدمج الزمان بالمكان، كما يقول المؤلف نفسه: لا يبدو هناك أي فارق بين الأمكنة المتباعدة أو بين الأزمنة المتباينة، وأحياناً بين الأمكنة والأزمنة في وقت واحد. ويصف كنفاني عالم القصة بأنه عالم مختلط لا بد من إعطائه للقارئ دفعة واحدة.
ليس من الواضح إن كان فهم كنفاني ظاهرة المكان، على أنها شيء وجودي حاسم في الحياة الفلسطينية، ينبع من إدراكه للظاهرة نفسها في الشعر العربي القديم، حيث تمثّل الصحراء دوراً رئيساً في ترميز الشاعر لرحلة الإنسان المضنية عبر الحياة. وفي روايتيه الأوليين نجد للصحراء أهمية كبرى في تحديد مصير أبطاله، فالصحراء في رجال في الشمس هي التي تقرر مصير شخصياته بشمسها اللاهبة – التي وصفها ذو الرّمة قبل قرون عديدة بأنها شيء راسخ في السماء تطنّ في رأس المسافر وتسيطر عليه – على أن المسافر عند ذي الرمّة يصل دائماً إلى مبتغاه مهما أضناه السفر وأضعفه، وذلك يرمز إلى قدرة الإنسان على الاحتمال، أما في رجال في الشمس فإن الصحراء والشمس تهزمان الفلسطيني وتقضيان عليه. وفي ما تبقّى لكم يجابه الصحراء ليلاً، واليل ظاهرة مخيفة أخرى للمسافر القديم، حيث تتلفع الصحراء بدثار كثيف من الوديان والهضاب عليها من الظلماء جلّ وخندقُ، وحيث تتجاوب أصداء الليل ويزيد من حدّتها ذلك الصمت الذي يلفّ كل شيء.(65) غير أن كنفاني يجعل الفلسطيني في هذه الرواية القصيرة يواجه مصيره، حيث يستثير لقاؤه بالعدو كل شجاعته وتصميمه، أي أننا نبتعد هنا كثيراً عن القبول الخانع بالموت في صهريج الماء.
تدور حبكة الرواية حول عائلة تفرّقت خلال أحداث سنة 1948، فينتهي المطاف بالأخ وأخته في غزّة عند عمّة متقدّمة في السن، بينما ينتهي المطاف بالأم في الأردن.
وتستلم مريم، التي تبلغ الخامسة والثلاثين من عمرها وتكبر أخاها حامد بكثير، لإغراء الجنس، فتنشئ علاقة غرامية مع رجل متزوج معروف بنذالته وتعاونه مع السلطات الإسرائيلية. وعندما يكتشف حامد أن أخته حامل يكاد ذلك يدمّره، فقد لحق العار بشرف العائلة علي يد متعاون مع العدوّ، وهذا ما يزيد الأمر سواءأ. ويكون على مريم أن تتزوّج زكريا، ويقرّر حامد أن يلتحق بأمّه في الأردن تفادياً للعار الذي ألحقته مريم بالعائلة، وذلك بعبور الصحراء المخيفة مشياً على الأقدام في الليل تفادياً للحرارة وللدوريات الإسرائيلية.
ويلجأ المؤلف ببراعة فائقة إلى تقنية غاية في التأثير، إذ يتحدث عن ساعة معلّقة على الجدار في بيت مريم حيث تجلس بالقرب من زوجها مطأطئة الرأس والعذاب يعتصرها، وعن ساعة يد حامد التي يحملها. الأولى توقّت حركة أفكار مريم وذكرياتها المضطربة، والثانية توقّت خطوات حامد عبر الصحراء، والساعتان تقيسان الزمن بدقاتهما التي ترافق الحركات المتزامنة في القصة، ويقصد منهما أن تعبرا عن العذاب المشترك لكلتا الشخصيتين الرئيسيتين مع انتقال السرد من مريم وهي تراقب وتفكّر وتتألّم إلى حامد وهو يواجه الرعب في رحلته بعيداً عن فظاعة الواقع الذي خلّفه وراءه. وهناك قدر كبير من الاستعادة الذهنية خلال موازنة البطلين لوضعهما الراهن مع الماضي المباشر والبعيد. وتتشابك الفترات الزمنية، أما الشيء الوحيد الثابت فهو الصحراء بقلبها النابض الذي يريح حامد رأسه عليه. وتتحدّث في هذا العمل ثلاثة أصوات يشار لها بصريّاً بتغيير حجم حروف الطباعة، وهي أصوات حامد ومريم والصحراء ذاتها. والصحراء تتدخّل لتفسّر اللحظة الراهنة، ولتضيف بعداً آخر للأحداث التي تتألّب على حامد: وكان بعيداً أيضاً عن الطريق، والليل يتسرّب من حوله دون أن يدري. وددت لو أستطيع أن أقول له شيئاً إلاّ أن الصمت هو قدري..
بعدئذٍ تتشكّل خاتمتان معاً رغم البون المكاني الشاسع بينهما: إذ يخيّر زكريّا عروسه بين الإجهاض والطلاق، ويواجه حامد حارساً إسرائيلياً. وتكون مريم تحت رحمة القدر تماماً، إذ تجد نفسها وقد حوصرت وأذلّت وصارت وحيدةً في العالم بعد رحيل شقيقها، وليس لديها من طريقة للحفاظ على الحياة التي تنمو داخلها إلا بقتل الرجل الذي سبّب لها كلّ هذا الأسى. كذلك يدرك حامد أنه لا يستطيع البقاء إلاّ بقتل الجندي الإسرائيلي. وتمرّ فترة طويلة بالغة الأثر وهو يراقب عدوّه، ثم تنغرز سكّينتان: سكّينة مريم وسكّينة حامد، في الوقت نفسه في ضحيّتيهما. ومن الواضح أن حرص كنفاني على اللياقة والتوازن الداخليين يجعله يتردّد قبل أن يسمح لنفسه بقتل الجندي الإسرائيلي، فلا يحصل ذلك إلاّ بعد أن يسمع حامد أصوات جنود إسرائيليين آخرين يقتربون مع كلابهم. الفلسطيني هنا ملاقٍ مصيـــره لا محالة، ولكنه – على الأقل – لا يموت خانعاً، بل يقاوم حتى النهاية.(66)
(يتبع)
توقيع دموع القمر
 
[
سلام اذا حان وقت مماتي,,,وغطى التراب الطهور رفاتي
فــــلا تــذكرونـــي بسوء,,, فيكفي حبي لكم طوال حياتي
دعوني أنم في قبري سعيدة,,, وعذرا عن كل ماضٍ وآتي ...
دموع القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-Sep-2007, 06:49 AM   رقم المشاركة : [14 (permalink)]
العضوة الكسولة

 الصورة الرمزية دموع القمر
 





دموع القمر will become famous soon enough

افتراضي

القصة في الضفة الغربية
هيمنت أعمال جبرا وكنفاني وسميرة عزّام – وجميعهم كانوا يعيشون في الشتات- على ما أنتجه الفلسطينيون في القصة قبل سنة 1967. أما القصة التي كتبها الفلسطينيون في الضّفة الغربية،وهي آنئذ تحت الحكم الأردني، أو التي كتبها الفلسطينيون في خلال الخمسينات، فقد عانت من بعض بوادر الضعف من حيث الشكل والمضمون معاً. إلاّ أن عقد الستينات شهد ظهور عرف قصصي جديد في هاتين المنطقتين تطوّر بعد ذلك خلال سنوات قليلة، وازدهر في أعمال عدد من الكتّاب الذين يتمتّعون بحظ من الشهرة الآن.
في الضفة الغربية اشتهر في الستينات كتّاب من أمثال محمود شقير وخليل السواحري ورشاد أبو شاور ويحيى يخلف. وفي الفترة التي أعقبت حرب سنة 1967، أي بعد أن احتلت (إسرائيل) الضفة الغربية، هاجر العديد منهم إما طوعاً أو قسراً – كما حصل لكلّ من شقير والسواحري اللذين أبعدتهما (إسرائيل) وفي ذلك دلالة على التأثير الذي بدأت تحدثه كتاباتهم في القرّاء من حولهم، وهو تأثير كان في السابق وقفاً على الشعر.
أما في إسرائيل ذاتها فقد ركّز النشاط القصصي في الخمسينات – كما كان حاله قبل سنة 1948 – إما على ترجمة الأعمال القصصية الغربية أو على التقليد المباشر للنماذج الغربية في القصص المؤلفة. لكن أواخر الستينات شهدت ظهور إميل حبيبي، الكاتب السياسي البارز والعضو النشيط في راكاح – الحزب الشيوعي الإسرائيلي – وقد غدا حبيبي فيما بعد واحداً من أشهر كتّاب القصة في العالم العربي – خاصة بعد ظهرة الوقائع الغربية في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل(1974)(67) ، وهي من أكثر الروايات أصالة في الأدب العربي الحديث. ومن الكتّاب الذي ظهروا خلال هذه الفترة توفيق فيّاض ومحمّد نفّاع ومحمد علي طه، وقد ظل هؤلاء الكتّاب، مع آخرين سواهم، يهيمنون على الساحة القصصية في إسرائيل حتى الوقت الحاضر، باستثناء توفيق فيّاض الذي غادرها ليعيش في العالم العربي.
• إميلي حبيبي
عندما صدرت مجموعة إميل حبيبي الصغيرة من القصص القصيرة، وهي المجموعة المعنونة سداسية الأيام الستة(1968)، أحدثت ضجة في كل من (إسرائيل) والعالم العربي على السواء. والمجموعة مستوحاة من عواقب حرب الأيام الستة في حزيران سنة 1967، حيث احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، فتمكّن الفلسطينيون نتيجة لذلك من السفر في جميع أرجاء بلدهم الأصلي بعد تسعة عشر عاماً من الانفصال. واستطاعت العائلات تلتقي ثانية بأفرادها الذين كانت قد فرّقتهم حرب عام 1948، وأن تستعيد الذكريات والصلات. ويشكّل موضوع لمّ الشمل بعد الفرقة إيقاعاً داخلياً في قصص المجموعة، أو خيطاً يوحّد ما بين هذه القصص المتباينة فيما عدا ذلك. والمجموعة هي بمثابة الموشور الذي تنحفر عليه أوجه متعددة من التجربة ذاتها، كما يثير مشاعر خاصة لا يعرفها إلاّ أناس فرّقتهم هزّات التاريخ الكبرى، ثم وجدوا أنفسهم يقطعون المسافة الزمنية التي فرّقتهم. والزمن في هذه المجموعة متقلّب سيّال: فقد سبّب مأساة الانفصال ولكنه ما يزال قادراً على قلب مسار المأساة بمجرّد استرجاع الأرض، التي احتلّت حديثاً، من براثن الاحتلال، أما الشيء الوحيد الثابت فهو أرض فلسطين ذاتها. ويسعى أبطال القصص المختلفون سعياً دائماً للحصول على جذور متينة تعطيهم الأمان، ولكنهم يعرفون أن هذا الأمان أمل بعيد تحت غيوم الهزيمة والاحتلال السوداء.
غير أن شهوة إميل حبيبي لم تتوطّد في العالم العربي، إلاّ بعد ظهور روايته الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل، ثم توطّدت في (إسرائيل) والغرب عندما ترجمت هذه الرواية إلى العبرية وغيرها من اللغات. وقد ظهرت الرواية، أول ما ظهرت، عام 1974، وأعيد طبعها ثلاث مرّات في السنوات الثلاث الأولى، وظهرت مراجعات وتحليلات عنها في العديد من المجلاّت والكتب في العالم العربي وفي إسرائيل. والرواية تتناول أحداث عشرين سنة من حياة فلسطينيين في (إسرائيل) ذاتها، ثم توحّد شقّي فلسطين معاً، كما تفعل مجموعة القصص القصيرة، فيتحد الناس ثانية. والشخصية الرئيسة في الرواية هي شخصية سعيد الأحمق المتشائل، الذي يذكّرنا سعيُه للبقاء حيّاً تحت حكم الاحتلال الإسرائيلي القاسي، بسعي شفايك في الرواية الشهيرة التي كتبها الكاتب التشيكي العروف باروسلاف هاتشيك بعنوان الجندي الطيّب شفايك(1923). وقد اعترف إميل حبيبي بتأثّره برائعة فولتير الهجائية كانديد (1759)، ولكننا في الحقيقة نجد أن التشابه أكبر مع شفايك، الأحمق الحكيم، ومن الجدير بالذكر أن الفرصة كانت كبيرة أمام إميل حبيبي لاكتشاف شفايك، إذ ذهب للعيش في تشيكوسلوفاكيا – حيث تتمتع الرواية بشهرة كبيرة- عدة مرّات.
وسعيد أحمق حكيمٌ آخر، وبطلٌ كوميدي يعمل جاسوساً لدولة (إسرائيل). لكنه يتحوّل،بفضل غبائه وجبنه وصراحته، إلى ضحية فلا يلتزم بدور الوغد الشرير، بل ينتهي به الأمر إلى قلب دوره ومساندة المقاومة الفلسطينية، إذ أنه لا ينجح تماماً في محاولاته لإرضاء الدولة الصهيونية. وهناك عدة مواقف عشقية في الرواية أشدّها تأثيراً حبّ سعيد الذي لا يموت لمعشوقته الأولى يعاد. ويتزوج المتشائل من باقية ويرزق بولد يسميه ولاء، يصبح مناضلاً من أجل الحرّية ويموت مع أمه أثناء مقاومته للسلطات الإسرائيلية. ويستمرّ سعيد – لحمقه وجبنه – في محاولاته إرضاء الدولة رغم حزنه، لكنّ خطأً غبيّاً يرتكبه يودي به إلى سجن شطّة، أحد أسوأ السجون الإسرائيلية سمعةً، وهناك، حيث يتوقّع منه أن يكون عين الدولة، يضربه الحراس الإسرائيليون ضرباً موجعاً ويلقون به إلى جانب البطل الشاب سعيد بن يعاد. فيعجب سعيد الأكبر سناً بقوة احتمال الشاب بينما يعامله سعيد الشاب الذي يحسب المتشائل رفيقاً في النضال من أجل الحرّية باحترام يليق بالأبطال. لكن سعيداً يجد بعد خروجه من السجن أنه لا يستطيع المضيّ في التعاون مع الدولة، لأن التجربة قد أثّرت فيه تأثيراً عميقاً. والمشكلة التي يعاني منها في النهاية يُرمز إليها بالخازوق الذي يجلس عليه في نهاية الرواية، ولا يخلّصه من هذه الورطة إلاّ حصول معجزة تتّخذ شكل شخصية من خارج عالمنا هذا، شخصية رجل من الفضاء الخارجي.
تتجاوز في هذه الرواية المهمة عناصر الظرف والسخرية، والصراحة المفرطة في بساطتها، والمواربة، والمفارقة والتلاعب بالكلمات. ونجد فيها مقاطع تصوّر أشد تجارب الحياة مأساوية وبطولية: الموت، الاستشهاد، المهمّات الخطرة، المقاومة الباسلة، الإيمان الذين لا يتزعزع. أما التصوير الكوميديّ للأحداث فهو مضحك جداً في بعض المواضع، كما أن الفهم المأساوي البطولي للتجربة، بل حتى لما هو إنساني فقط – كصداقة سعيد التي تدوم طوال الحياة ليعقوب:الجاسوس الإسرائيلي الذي يتكلّم العربية، يتصف برهافة الحسّ وعمق التأثير دون التردّي في الميوعة العاطفية. وتنتهي الرواية باللجوء إلى عنصر الخيال البعيد عن الواقع حيث لا يكون ثمة من مخرج لسعيد إلاّ على يد مخلّص من الفضاء الخارجي، ذلك أن الكاتب يدرك أن البطل الكوميدي لا بدّ له أن ينجو بطريقة ما، إذ لا يمكن تحوله إلى ضحيّة من أجل القضيّة رغم تراجعه عن موقفه الأصلي،وهذا من أفضل ما حققته الرواية من الناحية الفنيّة.(68)

(يتبع)
توقيع دموع القمر
 
[
سلام اذا حان وقت مماتي,,,وغطى التراب الطهور رفاتي
فــــلا تــذكرونـــي بسوء,,, فيكفي حبي لكم طوال حياتي
دعوني أنم في قبري سعيدة,,, وعذرا عن كل ماضٍ وآتي ...
دموع القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-Sep-2007, 06:52 AM   رقم المشاركة : [15 (permalink)]
العضوة الكسولة

 الصورة الرمزية دموع القمر
 





دموع القمر will become famous soon enough

افتراضي

إن الترحيب الشامل الذي لقيته الرواية لم ينشأ بالدرجة الأولى من كشفها عن التجربة المريرة التي يحياها الفلسطينيون تحت الحكم الإسرائيلي (رغم أن ذلك قد زاد في تأثيرها)، فقد نالت الرواية ما نالته من التفريط لأنها مثلت – على المستوى الفني – تحدّياً للنماذج الموجودة من الرواية العربية، ولبراعتها الفائقة في توظيف الأسلوب الساخر الذي تندرج في ثناياه عناصر الكوميديا والبطولة المأساة.
• جبرا إبراهيم جبرا
كان جبرا إبراهيم جبرا أول روائي فلسطيني يحقق شهرة في أرض الشتات. وقد تحوّل جبرا، بعد مجموعته من القصص القصيرة في الخمسينات، إلى الرواية، وهي النوع الأصعب في الفن القصصي لأنها الأكثر ملاءمة للتجربة ذات المدى الأوسع والآفاق التي كان يسعى لتصورها،(69) وقد بدأ تجاربه في هذا الشكل الفنّي في الخمسينات، ونشر حتى وفاته في 12/12/1994 سبع روايات، كشفت أولاها، وهي الصراع في ليل طويل (1955)، عن طبيعة فكره ومجال رؤياه، وهما أمران ظلاّ باديين فيما تلا من أعماله.
وكتب روايته الثانية، وهي صيّادون في شارع ضيق بالإنجليزية، ونشرها عام 1960، ثم ظهرت ترجمتها العربية سنة 1974. غير أن سمعة جبرا الروائية توطّدت بعد ظهور رواية السفينة (1970)(70) ، ثم ازدادت رسوخاً بعد صدور البحث عن وليد مسعود (1978)(71). ثم تعاون على كتابة رواية مشتركة مع الكاتب السعودي الأصل عبد الرحمن منيف، وهو روائي كان قد بزغ نجمه مؤخراً(72) واكتسب شهرة في وقت قصير برواياته الجريئة التي تتناول موضوعات سياسية واجتماعية ذات أهمية كبرى،على روايتهما المشتركة عالم بلا خرائط(1982). وقد عانت هذه الرواية – كما هو متوقّع- من الاختلافات الأساسية التي يتعذّر التوفيق بينها في أسلوب كلّ من الكاتبين ورؤيته، كما أنه لا تعد من خبرة ما كتبه أيّ منهما. وكان من أواخر ما قدّمه جبرا في عالم الرواية، رواية الغرف الأخرى (1986)، وهي عمل يقوم على المفارقات الغريبة، حيث يكون فيها هو الشاهد والمتّهم والممثل والمتفرّج، في الوقت نفسه. وتقترب الرواية من الكوميديا السوداء وتقوم على واقع يبدو أشدّ استحالة من الحلم.
العنصر الرئيسي المميّز في روايات جبرا إبراهيم جبرا هو ذلك البيان المتوهّج في أسلوبه. إنه يبدي في رواياته كلها مرونة لغوية فائقة، وطاقة فيّاضة، ونفساً شعرياً مميّزاً، وبراعة كبيرة في اختيار الألفاظ. وبينما يكتب أسلوبه محتفظاً بصفائه وشفافيته، فإن باستطاعته أن يتناول المواضيع الحميمة، أو التي تحتاج إلى أعمال الذهن حسب مقتضيات الموقف، دون أن يفقد طلاقته وكياسته المميّزين. لكن جبرا كاتب حديث، ولذا فهو لا يلجأ إلى الأسلوب البلاغي الفخم في الأدب العربي القديم، لأنّه يدرك أن هذا الأسلوب لا يناسب اللغة الاستطرادية الحميمة للرواية. ومن الملفت للنظر أن شعره النثري لا يحافظ على ما يتصف به نثره من زخم وقوّة اندفاع مدهشين،فكأنه يخشى هنا أن يقوده الموضوع الشعري إلى الميوعة العاطفية، ولذا فإنه يتفادى ما هو عاطفي أو حتّى ما هو حميم، ويستعين بأسلوب خافت نجده، في أغلب الأحيان، جافاً خالياً من الإثارة والإيحاء.
يعزز الأسلوب الفريد في روايات جبرا المغزى الداخلي في تلك الروايات، مما يؤكد أن السمة الخاصة لعقل الكاتب هي ما يميّز اختياره لكل من الأسلوب والموضوع اللذين يجتذب أحدهما الآخر للتعايش معاً. إن أغلب الروائيين العرب يبدون اهتماماً أشدّ بالموضوع منه بالأسلوب، ولو أنّ ثمة كتّاباً آخرين، والحقّ يقال، من أمثال الكاتبين السوريين سليم بركات وحيدر حيدر يمتلكون أسلوباً متميّزاً، لكن يبدو أن هؤلاء الكتّاب لم يكن لهم تأثير واضح على غيرهم من كتّاب العصر. وقد تبيّن في هذا المجال أن النثر أشدّ مقاومة للتغيير من الشعر، فقد انتشر الأسلوب الذي ساد الشعر العربي (ومنه الفلسطيني) طوال الستينات والسبعينات – وهو أسلوب صعب يعتمد على الابتكار ويلجأ إلى الصور المجازية البالغة التعقيد- انتشار النار في الهشيم بين الشعراء الشباب، إذا اعتقد الشعراء أنهم لن ينجحوا إلاّ إذا استخدموا الأساليب الشعرية السائدة في تلك الفترة. أما في القصة فقد حافظ الكتّاب العرب على أساليبهم الخاصة، واختار معظمهم، ومنهم نجيب محفوظ، أبرز الروائيين في العالم العربي، أن يكتبوا بأسلوب سليم واضح، يتصف عموماً بالسهولة والاستطراد، بينما قامت شعبية جبرا في مجال الرواية وعلى براعته اللغوية الفائقة وتدفّق أسلوبه.
ويتناول جبرا في رواياته، كما في قصصه القصيرة، حياة الصفوة من المفكّرين في المقام الأول. وقد يصل ولعه بتفصيل الأفكار (التي كثيراً ما تعكس المشاغل الكبرى داخل العالم العربي) إلى درجة مزعجة من المبالغة والتضخيم، كما يحصل في رواية السفينة عندما يجعل صبيين في الرابعة عشرة من العمر في قدس الثلاثينات يتناولان بالنقاش الفلسفي موضوعات من بينها لوحة لبوتيتشيلي Bottiecelli وكتابات أناتول فرانس Anatole France، مما لا يمكن تصوّر صدوره في ذلك الوقت عن صبيّين في تلك السنّ، خاصة وأن الصبيّ الذي يبدأ الحديث الجدي الذي ينم على معرفة واسعة جداً بموضوع مثل بوتيشلي يعيش في حالة فقر مدقع في أحد أحياء القدس الفقيرة. لكن يبدو أن عادة جبرا في تحويل كل شيء إلى موضوع للنقاش الفكري عادة يصعب كبحها.(73)
السفينة رواية ذات بنية معقّدة، حيث تمزج أحداث الحاضر بماضٍ لا يّمحي ويكمن في الأساس من عواطف أبطال القصة وأحلامهم وطموحاتهم ويأسهم. وتدور الرواية حول تجربة النفي والذكريات والحنين إلى الماضي؛ وحول الصراع الجسدي والنفسي والمأزق الفكري. والزمن في هذه الرواية يستعاد على هيئة ومضات متلاحقة، بحيث يتداخل الماضي بالحاضر ويتحقق الحاضر بقوة الماضي بشكل يعكس حضور الماضي الدائم في وعي هؤلاء الأبطال. نه من غير الممكن تلخيص القصة بأسطر قليلة، حيث إن معظمها متشابك مع الذكريات ومع حبكات فرعية تلتقي كلها لتؤثر في الأحداث وتؤدي دورها في الوصول إلى حل العقدة في نهاية الرواية. وهناك مأساة في الكتاب، إذ تنتحر إحدى الشخصيات الرئيسة في النهاية. غير أن القصة تنتهي بنبرة إيجابية كما أن لو أن الموت شكّل مخرجاً للمؤلف ولبعض الشخصيات الرئيسة الأخرى، فكسّر حدّة المأساة بوعدٍ – وإن لم يكن غير مؤكّد – بحياة أفضل للآخرين.
هناك، من بين الشخصيات الرئيسة في الرواية، ثلاثة من العراقيين هم المهندس عصام السلمان والجرّاح فالح عبد الحسيب والمثقّفة الجميلة لمى. أما الشخصية الرئيسية الرابعة فهو رجل الأعمال الفلسطيني وديع عسّاف الذي يعمل في الكويت. وتتضمّن الحبكة المتشابهة العلاقة بين وديع عسّاف وخطيبته اللبنانية مها الحاج وارتباط الطبيب الجرّاح بعلاقتين ثلاثيتي الأطراف: فهو متزوّج من لمى ولكنه يتبادل الحب مع إميليا فرنيزي، بينما تكون زوجته على علاقة حبّ مع عصام السلمان. وتلتقي هذه الشخصيات جميعاً – باستثناء مها – على ظهر السفينة هيركيوليز، وهي سفينة سياحية تتنقّل ما بين بيروت ونابولي. لكن اللقاء لا يجري عن طريق الصدفة، فقد أقنعت لمى زوجها باصطحابها في هذه الرحلة البحرية عندما علمت أن عصام السلمان سيكون من ركّاب السفينة، بينما كان فالح قد خطّط سرّاً لهذه الرحلة مع إميليا التي كانت بدورها قد أقنعت صديقتها منها (أو هكذا اعتقدت) بالسفر مع خطيبها.
وتكمن خلف كل ذلك الطبيعة المعقّدة لأبطال الرواية الرئيسيين، فعصام هارب من بغداد بسبب عجزه عن مواجهة مشكلتين: زواج لمى الذي يجد أنه لا يستطيع احتماله، وثأر قبلي نشأ عن خلاف على الأرض جعل والده يقتل أحد أقرباء لمى، ويقضي بقية حياته في المنفى. وكان هذا الثأر القديم في الحقيقة هو الذي حال دون زواج عصام من لمى التي كان قد التقاها أثناء دراستهما في إنجلترا، فأدّى ذلك بلمى إلى القبول يائسة بزواج مصلحة ربطها بالجرّاح المبرّر الثري.
أما الفلسطيني وديع عسّاف فإنه يتمسك، إلى جانب حبه لمها، بحلم العودة إلى فلسطين، وإذا كان عصام يهرب من المشكلات التي خلقها نزاع حول أرض ورثها عن أجداده ووجد الحلّ في التخلّي عن ملكية هذه الأرض، وعن الصلات المتعلّقة بها، فإن ما يعطي لحياة وديع معنى وهدفاً هو أمله باستعادة الأرض في فلسطين، وهذا ما يعكس ارتباط ثروة لا بأس بها واشترى فعلاً قطعة من الأرض في فلسطين، حيث ينوي أن يقيم بيتاً كبيراً يعيش فيه مع مها. لكن مها تتردّد في ترك مهنتها الناجحة في بيروت وتعدّه حالماً رومانسياً، وكان الذي دفعها في آخر لحظة ألاّ ترافق وديع في رحلته البحرية هذه، شجار جديد نشب بينهما حول هذه المسألة.
وديع متعلّق كذلك بالذكرى الأليمة لموت صديقه فايز خلال أحداث عام 1948. وكان فايز هذا صبياً موهوباً يحبّ الرسم ويأتي من حيّ من أحياء القدس الفقيرة، وقامت بينه وبين عسّاف الصبي صداقة حميمة، كما حاربا ضد الصهاينة جنباً إلى جنب. وقتل فايز ولكنه ما زال يعيش في ذاكرة صديقه الحيّة، صديقه الذي لا ينسى قط موهبته الفنية، وصداقته الحميمة، أو المعرفة والأفكار الذكية التي كان يكتسبها بسرعة فائقة في قدس الثلاثينات والأربعيات.
تتخلّل الرحلة على الهيركيوليز مواقف متفجّرة، ففي إحدى الأمسيات تثير لمى زوجها إلى حدّ الجنون برقصها على ظهر السفينة فيرغمها على العودة معه إلى القمرة. وتهب عاصفة تصيب الجميع بدوار البحر إلاّ إميليا وفالح ووديع، وخلال هذه العاصفة يدرك وديع أن إميليا وفالح عاشقان (ونحن نعرف أنهما كانا يلتقيان سرّاً من خلال زيارات فالح العديدة لمتابعة الحالات المرضية التي كانت إميليا تتظاهر بها).

(يتبع)
توقيع دموع القمر
 
[
سلام اذا حان وقت مماتي,,,وغطى التراب الطهور رفاتي
فــــلا تــذكرونـــي بسوء,,, فيكفي حبي لكم طوال حياتي
دعوني أنم في قبري سعيدة,,, وعذرا عن كل ماضٍ وآتي ...
دموع القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-Sep-2007, 06:53 AM   رقم المشاركة : [16 (permalink)]
العضوة الكسولة

 الصورة الرمزية دموع القمر
 





دموع القمر will become famous soon enough

افتراضي

وعندما ترسو السفينة في نابولي يخطط أبطال الرواية للذهاب إلى كابري، ولكن يتخلّف البعض عن ذلك، فلمى تدّعي أنها مريضة ثم تذهب خلسة مع عصام إلى نابولي حيث يراهما فالح وإميليا (اللذان كانا يفعلان الشيء نفسه) وكلّ منهما يتأبط ذراع الآخر والسعادة بادية عليهما. وبذا تفسد متعة فالح ويشعر بإحباط وغضب جامحين لعدم تحقيق السعادة المنشودة في اللقاء الذي كان قد خطط له مع إميليا في فندق كان قد حجز فيه غرفة لذلك الغرض. ثم ينتحر عندما يعود إلى السفينة في تلك الليلة.
وتبيّن الرسالة التي تركها للمى قرب علبة الحبوب الفارغة، أن فالح كان قد خطّط لهذا الانتحار منذ مدّة، أي أن القرار لم ينشأ في الحقيقة من الصدمة التي سبّبها له خداع زوجته. ويبدو من النظرة السطحية أن الانتحار لم يكن له ما يبرره على الإطلاق، ففالح يمتلك فيما يبدو كلّ ما قد يرغب به مثقّف عربي يعيش في بلد غني من بلاد الشرق الأوسط في هذه الفترة بالذت: النجاح في المهنة، الزوجة الجميلة، المال، النساء، المركز الاجتماعي. فهذا كان في الواقع حلم الآلاف من المهنيين العرب في تلك الفترة التي تهيأت فيها فرص كثيرة لجمع الثروة، فشاع بين الجميع تعطّش محموم للمتعة والممتلكات الماديّة.(74)
ولكن فالح كان يفكّر في الانتحار منذ مدة(75) وهذا ما يستبعد الظنّ بأن فالح ربما انتحر لمس فجأة – وهو المثقف النكد المتشائم – سخرية الحياة وكيف يمكن للخداع أن يكون سيفاً ذا حدين.
صحيح أن الانتحار ليس أمراً شائعاً لدى العربي، لكن هناك في كل ثقافة من الثقافات من تضرب أمزجتهم ونزعاتهم وتكوينهم الفكري بالقاعدة العامة عرض الحائط. والحقيقة هي أن شخصية فالح وطريقة تفكيره ليستا من النوع الذي اعتدنا عليه، ولذا فقد نتوقّع منه – والحالة هذه – نمطاً سلوكياً يبرز فيه اختلافه برد فعله (غير المألوف في مثل هذه المواقف) لخداع زوجته، خاصة وأنه كان في اللحظة ذاتها يرتكب ذالت النوع من الخداع. أما جنونه السابق إزاء رقص لمى المثير على ظهر السفينة والجميع يتفرّجون بعيون نهمة فإنه – في الأساس – ليس أكثر من الغيرة ونزعة التملّك المعتادين عند الرجل العربي نحو زوجته، سواء أكانت موضع حبه أو لم تكن. ومن المعروف أن استجابة العربي للأمور الجنسية يغلب أن تكون – مهما ارتقت ثقافته – استجابة تقليدية لا تؤدي عادة بالرجل إلى الانتحار بدل الاقتصاص من زوجته. ويؤكد فالح لزوجته، في رسالة الانتحار التي تركها لها، أنه عندما رآها ترقص بتلك الطريقة المغرية أراد قتلها في التو واللحظة، ولكنه تركها وقرّر قتل نفسه. إن هذا التصميم الذي يعكس ردّ فعل غاية في الاختلاف يظلّ أمراً لم يعرضه المؤلف بشكل مقنع.
ولربما كان أكثر إقناعاً، في ضوء الأفكار والسمات التي أضفاها جبرا على شخصية كل ما يمكن أن توفّره الثروة من متع، قد أكّد له عبثيّة حياة (في المراتب العليا من المجتمع العربي ) موقوفة على التفاهات،كما أكّد لها خواءها وعجزها عن الكفاح، ذلك أن جبرا كان قد قدّم هذا الوصف لحياتهما فيما سبق. لكن جبرا خذلنا خذلاناً شديداً عندما لم يعزُ انتحار الطبيب إلى ذلك، بل إلى استجابته شبه الميتافيزيقية إزاء أهواء زوجته الجامحة وإلى الجمال المغناج الذي يمتاز به جسدها الشهواني وهي تعرض مفاتنه على العالم.
ليست السفينة مأساة من الناحية الفنيّة، فلا بدّ للرواية حتى تكون كذلك من أن تركّز تركيزاً أكبر على الشخصية المأساوية وأن تثير فينا إحساساً أشدّ بأهمية هذه الشخصية في سياق العمل كله بحيث نرى أن موت هذه الشخصية له تأثير مأساوي على الأحداث. فالمأساة هي النهاية الحادة الحاسمة التي لا مردّ لها. أما موت فالح فكل ما يمكن أن يحدثه هو تحويل مسار الأحداث نحو الأفضل، كما أنه لا يؤثر مأساوياً على حياة الشخصيات الأخرى. وعلى الرغم من كلّ ما تبديه لمى من حزن، فإن القارئ يعرف أن المستقبل أمامها ملئ بالوعود والإمكانات. أما عسّاف فإن مها، التي انضمّت إليهم الآن تقرر أن الحية معه هي قمة أولوياتها، وتنتهي الرواية بالتئام شملهما السعيد في نابولي.
لكن انتحار فالح يثير الاهتمام من وجهة نظر أخرى، ذلك أن يتضمن تصويراً موضوعياً لشخصية تقع لا خارج نطاق حياة المؤلف وتجربته وحسب، بل تتناقض معهما تناقضاً تاماً. ونلاحظ أن جبرا يميل دوماً إلى تصوير شيء من نفسه في شخصياته الرئيسة مما كان يودّ لو حققه شخصياً. وديع عسّاف في السفينة، ووليد مسعود في البحث عن وليد مسعود، وجميل فرّان في صيادون في شارع ضيّق كلهم فلسطينيون مثله، وهو يصوّرهم جميعاً ناجحين، متحضّرين، مثقّفين، مشحونين بالعاطفة والطاقة، جذّابين محبوبين،وفوق كل ذلك يمتلكون ناصية الحياة. إنهم لا يتصفون بالمناكدة أو الحقد أو اللؤم أو الخبث. أما غضبهم وحزنهم على ما لحق بشعبهم فيتحولان إلى تصميم إيجابي على النضال بشكل أو بآخر، فالفلسطيني الذي يملك قضية يعيش ويحارب من أجلها، ولديه أفق يسعى إلى بلوغه ومعركة يخوضها مع معتد خارجيّ، لا يصوّره الكاتب عدمياً أو انهزامياً، كما أنه أبعد ما يكون عن الرغبة في تدمير الذات. ويعيش هؤلاء الأبطال الثلاثة،كما يعيش جبرا نفسه، في منطقة الخليج ما بين بغداد والكويت فيشتركون في تجربة النفي من المنطقة ذاتها في فلسطين (القدس أو بيت لحم)، كما أنهم يفلحون جميعهم في دخول الصفوف العليا من المجتمع (في بغداد أو في غيرها من مدن العالم العربي)، ويحتفي ثلاثتهم بالنضال الفلسطيني من أجل التحرير) وجميعهم يتمسّكون بحلم كبير: حلم العودة إلى وطنهم المفقود واستعادة الأرض والجذور، كما يحملون في حناياهم مشاعر مسيحية عيمقة يصورها جبرا بلغة فكرية وروحية غاية في الصقل والتألق، مما يعبّر عما تبقّى لديه من شغف بالفلسفة المسيحية التي كان قد تشرّبها خلال نشأته الأولى. وأخيراً يتصف الثلاثة باتقاد العواطف والانجذاب الشديد نحو الجنس الآخر، كما يمتلك بعضهم (كما في حالة مسعود) شهوانية لا ترتوي، لكنها شهوانية مهذّبة ومصقولة في الوقت نفسه.(76)
إن بوسع فالح كذلك أن يظهر عاطفة جيّاشة أحياناً، كما يفعل في رسالة الانتحار الموجّهة إلى لمى حين يصف لقاءه الأول بإميليا، وبعبارات تذكّرنا بتجارب كل من مسعود وعسّاف المفعمة بالعاطفة، ولكنه، خلافاً لهما، يجد أن هذه العاطفة تخذله في بعض الأحيان عندما يقع ضحية الغثيان واليأس الوجوديين، فهو يحمل سمة الإنهاك الروحي العام، إنهاك المثقّفين العرب الذين يشعرون بالعجز التام عن محاربة النظم الرجعية التسلّطية اللامتنورة في بلادهم، ولا أمل لديهم، في المستقبل المنظور، بأي علاج للفوضى وسوء الإدارة المفروضة على عالم عربي ظلّ يعاني، على مدى قرون عديدة، من كل أنواع المؤامرات المحاكة ضد حريته، إذ النضال في ظلّ نظم كهذه ليس سبيلاً إلى الموت وحسب – فللموت نبله وجاذبيته في نظر الثائر – بل هو أيضاً موصوم ومشبوه. إن فالحاً يعاني من شذوذ عن القاعدة يجمّد الحافز للنضال عنده، فهو يعجز من ناحية عن النهوض لمجابهة وحشية السلطة ومن ناحية أخرى يصمّ أذنيه لكي لا يسمع ذلك الكلام الخطابي التعس الذي يملأ العالم من حوله، وفي حالته هذه يدفعه الغثيان إلى طريق مسدود على الصعيدين الفكري والعاطفي.
ولرواية السفينة أهمية خاصة في هذا المجال لما تبرزه من تباين جذري، ولو ضمنياً، بين الشخصية الفلسطينية وغيرها من العرب الآخرين، فالانتحار في النهاية يشير إلى توقّف السعي، ولكن خارج عالم الفلسطينيين. لعلّ جبرا لم يكن قد فكّر واعياً بهذا الأمر، ولكن من المؤكد أنه ما كان ليختار فلسطينياً فيصوّره تائهاً على وشك الانهيار ويجسّد فيه الشكوك والعذابات واليأس كما مثّلها جميعاً عند فالح بذلك الشكل المفجع.
لا تتّسع هذه المقدّمة لبحث مستفيض عن رواية جبرا المهمّة الثانية البحث عن وليد مسعود . يكفينا القول هنا إن هذه الرواية صرح شامخ للأسلوب والأفكار والوطنية والمشاهد العشقية التي يتمكّن فيها جبرا من الارتفاع بالعاطفة والسمو بالعشق رغم انغماس بطله الواضح في الجنس.إن البحث عن وليد مسعود شأنها شأن السفينة، لا تخلو من المآخذ ومع ذلك فإن هذا الروائي الآسر،المتمرّس، المتعدد الجوانب، البعيد الغور قادر دوماً على أن يبعث فينا شعوراً بالإثارة والمتعة، وأن يقدّم لنا حوافز فكرية وجمالية لا تفارق أذهاننا لأمد طويل.
• إبراهيم نصر الله
ومن أبرز الروائيين الواعدين في أيامنا هذه (وهو شاعر كذلك) إبراهيم نصر الله، الذي تمثّل روايته براري الحُمّى (1985)(77) تجربة مهمة في الأدب العربي الحداثي.
والقصة تدور حول حياة معلّم عربي يعمل في منطقة من أكثر المناطق نأياً وعزلة في المملكة العربية السعودية (وهو وضع عانى منه مئات المعلّمين). وقصة الأستاذ محمد قصة اغتراب عميق ووحدة موحشة، فهو يعاني من المخاوف المرضية والهلوسة والكوابيس، كما يتعرّض للاستغلال المطلق ويكون الضحيّة على الدوام. وتصف الرواية مكاناً متخلّفاً تخلّفاً ساحقاً، إذ يخلو من ضروريات الحياة العصرية خلوّاً تامّاً، ويسوده ما خلّفته العصور الوسطى من محرّمات وعادات، وتتضافر فيه الأعراف الموروثة والمتّبعة دون أي مرونه مع أجهزة الدولة الصّماء لحرمان الفرد من أدقّ متطلبّات الحياة الطبيعية. وهناك تغيب شخصية المرأة غياباً يبعث الاضطراب العميق، ولذا فإنها تغدو طيفاً لا يمكن الإمساك به، وحلماً مبهماً يستحيل تحقيقه.
ولكن الإنجاز الأكبر لهذه الرواية هو ذلك الترابط بين شكلها ومحتواها، والتوازي الزمني بين أحداثها وذكرياتها وأحلامه. وتشكّل الصحراء، كما في روايات كنفاني، معلماً رئيساً في هذه الرواية، وقوّةً هائلةً تخلخل الزمن وتجعله يتسرّب في كل اتجاه، فيخلط الماضي بالمستقبل، بينما يؤكد على الحاضر الذي يغدو هوّةً مرعبة لا تحتمل، تجثم فوقها الصحراء المجدبة إلى ما لانهاية.إنّ هذه الرواية تصوّر المعاناة الهائلة التي تعرّض لها آلاف الشباب ممن أخذوا يغامرون، منذ اكتشاف النفط، بالذهاب إلى هذه المناطق الصحراوية النائية المنغلقة على نفسها في شبه الجزيرة العربية بحثاً عن لقمة العيش. والرواية محاولة إبداعية فريدة تقريباً (دون السعي لذلك سعياً واعياً) على العلاقة بين المؤلّف وجمهوره الذي يشكّل هو نفسه جزءاً من العملية الإبداعية.(78) إبراهيم نصر الله يمثّل في هذه الرواية القلة من الذين يكتبون دون الانشغال الدائم بجمهور يسعى إلى جلب استحسانه ورضاه. إن هذه الرواية صعبة لا يتضّح منطقها ومغزاها بسهولة عند القراءة الأولى، بسبب أسلوب سردها الذي لا يتتابع في خط واحد، وبسبب منظورها المتعدّد الأبعاد.

(يتبع)
توقيع دموع القمر
 
[
سلام اذا حان وقت مماتي,,,وغطى التراب الطهور رفاتي
فــــلا تــذكرونـــي بسوء,,, فيكفي حبي لكم طوال حياتي
دعوني أنم في قبري سعيدة,,, وعذرا عن كل ماضٍ وآتي ...
دموع القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-Sep-2007, 06:57 AM   رقم المشاركة : [17 (permalink)]
العضوة الكسولة

 الصورة الرمزية دموع القمر
 





دموع القمر will become famous soon enough

افتراضي

سحر خليفة
ولقد كان ظهور روائية في الضفة الغربية، هي سحر خليفة، حدثاً رحّب به الجميع. إن سحر خليفة كاتبة لا يجاريها فلسطيني آخر ممن كتبوا في مقدرتها على استحضار الإيقاعات واللهجات والمفردات وأنماط التفكير عند مختلف طبقات الفلسطينيين من أهالي المدن، العمال البسطاء منهم والمثقّفين على حد سواء. وتكشف سحر خليفة عن قدر كبير من الذوق الفني بتنويعها للغة حسب مكانة الشخصية التي تصوّرها ومستواها التعليمي. أما وصفها لحياة شخصياتها، في منطقة نابلس (مسقط رأسها)، حيث تعيش الشخصيات عادة فيما بينها، فهو وصفٌ ينبض بالحياة وينطبق على الواقع بكل تفاصيله، ولكنه في الوقت ذاته يتم بطريقة فنية تحافظ على الإيجاز والتوتر الضروريين لنجاح العمل الأدبي. وتركّز سحر خليفة على قضيّتين أساسيتين: هما الكفاح الفلسطيني، وكفاح المرأة من أجل التحرّر. وبين الوصف الذي يقدّمه إميل حبيبي لوضع الفلسطينيين تحت الاحتلال داخل إسرائيل نفسها (خاصة في روايتها الصبار 1976(79) و عبّاد الشمس 1982) يكتمل وصف الوجود الفلسطيني المعقّد والمحاصر في الوطن نفسه. وأفضل أعمال سحر خليفة حول المرأة هي رواية مذكرات امرأة غير واقعية (1986)، التي تستقصي فيها مشكلات الطموح عند المرأة والقيود المفروضة عليها، وتستخدم كذلك لغة تناسب حديث النساء من منطقتها، كما تكشف عن القيم الثقافية المتغلغلة في أعماقهن. وتدلّل سحر خليفة، خاصة في عباد الشمس، على علاقة التلاحم الوثيق القائم بين النضال السياسي والنضال النسوي، وتبدي كذلك مقدرة كبيرة على تصوير تلك الشخصيات التي لا بدّ لها – بحكم الظروف المحيطة بها – من تغيير مواقعها، وتلك التي تمثّل أنماطاً ثابة لا تتغيّر، ويمثّل كل من زهدي وأسامة في الصبّار هذين النمطين على التوالي.
•أكرم هنيّة
وأكرم هنيّة كاتب آخر يستحق الاهتمام من الكتّاب الذين أُبعدوا من الضفة الغربية المحتلة قبل سنوات، فهو على جانب كبير من الأصالة، ويلجأ، في تصويره للواقع، إلى الرمز والإغراق في الخيال، فيصوّر المسجد الأقصى، أحد أقدس الأماكن في الإسلام، وقد اختفى، في قصته التي اختيرت للنشر في هذا المجلّد بعنوان بعد الحصار، قبل الشروق بقليل. تصف القصة ردود الفعل لدى أنماط عديدة من الناس إزاء هذا الحدث الخيالي. فتبدأ بأن يستيقظ رجل كان قد مات قبل إنشاء دولة إسرائيل بوقتٍ طويل في قصة أخرى، عنوانها تلك القرية، ذلك الصباح(80) ليكتشف أن العالم قد تغيّر جذريّاً منذ وفاته. وتروي القصة العذاب والحيرة عند الاكتشاف البرئ للوضع العربي الإسرائيلي، كما تزوّد قارئها بفرصة تجعله يكتشف من جديد وبدقة معنى العدوان والقهر المنظّمين اللذين يتعرّض لهما الفلسطينيون.
• محمود شاهين
أما محمود شاهين فهو كاتب قصّة يعدّ بالكثير، ويختزن في ذاكرته، وهو من أصل بدوي، كل تقاليد المجتمع البدوي البعيد الجذور، وهو يكتب الرواية والقصة القصيرة، ويُبدي ميلاً نجده عند جبرا كذلك، للتعامل مع مجموعة كبيرة من الأحداث المتشابكة والمواقف العاطفية المعقّدة ضمن نطاق قصة قصيرة واحدة. وتتكوّن قصته البديعة نار البراءة(81) من شبكة متلاحمة من العادات والمعتقدات والمواقف التي يبرزها بشكل بارع على مهاد من العواطف العنيفة الفردية والجماعية. وتصوّر القصة الصدام بين العواطف والرغبات المنحرفة من ناحية، والأعراف والمعتقدات السائدة من ناحية أخرى. ففي مقابل الشهوانية المغرية التي تتصف بها الزوجة الجميلة لراع كثير الغياب، هناك العفّة الراسخة التي يبديها الشاب الذي يعجبها، وهو زوج وأب مخلص تكلّفه مقاومته سمعته وسعادته في النهاية، إذ تستدرج المرأة أحد أبناء عمها إلى فراشها، ولكن الزوج يباغتها في إحدى الليالي بعودته المفاجئة، فتجد المرأة فرصتها للانتقام من عليّ العفيف، فتصرخ بأن الرجل الملثّم الذي شوهد وهو يهرب من بيتها ذلك المساء هو علي نفسه وقد جاء لاغتصابها. ومن أشدّ المشاهد إثارة في القصة مشهد يصوّر حماها، الذي يعرف أنها تكذب ولكنه رغم ذلك يخضع لإغوائها، ومع أنه يعاقبها بقسوة على ما يعرف في دخيلته أنها قد اقترفته، فإنه لا يستطيع مقاومة إغرائها وكبح شهوته المستثارة، بل يستجيب إلى ذلك الإغراء برغبة عارمة. أما علي فيخضع إلى امتحان النار ويثبت جُرمه!
وهكذا نجد أن مقاومة علي المتوقّعة للحفاظ على شرف القبيلة ضد الإغراء الطاغي الذي تمارسه الشابة الشبقة والمتعطّشة للحبّ، تقف وجهاً لوجه إزاء السلوك المنحرف الذي يسلكه حموها. والأثر الحقيقي العميق للقصة وتميّزها الفنّي يكمنان في التفاصيل الدقيقة التي تُروى بها الأحداث، وفي التصوير المرهف لردود الفعل النفسية المعقّدة التي تبديها الشخصيات المختلفة. إن القصة تزخر بالأحداث بحيث يمكن تحويلها إلى فيلم من الطول المعتاد، ولذا فهي ليست قصة قصيرة فضفاضة بقدر ما هي رواية شديدة التكثيف تتناول مواقف معقّدة متفجّرة كما يتمثّل فيها إيجاز القصة القصيرة وتوتّرها في آن معاً.
وتضمّ قصة شاهين القصيرة النهر المقدّس، وهي القصة التي يحتويها هذا المجلّد، وصفاً معقّداً آخر لردود الفعل عند هذا المجتمع البدوي الفلسطيني ذاته الذي يظهر في العديد من قصصه المتعلّقة بالاحتلال الإسرائيلي بعد حرب حزيران سنة 1967. والقصة مأساة، تصف، بشكل مؤثر جداً، الحياة تحت الحصار، وهي تجربة جديدة هنا تمثّل البدو الفلسطينيين تحت الاحتلال الصهيوني وقد أصبحوا مكبّلين بقيود جديدة ونزعت عنهم تلك الحرية الرائعة التي تمتّع بها المتبقّون من المجتمع البدوي القديم، الذين ما يزالون يعيشون أحراراً طلقاء في أقطار عربية شرقي البحر الأبيض المتوسط. وقد ظلّت هذه البقية، بانعزالها الأبي عن المشاغل الدنيوية لسكّان الأرياف والمدن في العالم العربي، تتمتّع بحياتها الخالية من التعلّق بالأشياء ومن الدسائس السّياسية والمطامح المتناحرة والسعي المحموم وراء الثروة والتملّك. أما الآن وقد خضع هؤلاء للحكم الإسرائيلي، فقد وجدوا أنفسهم ضحيّة محزنة لنظام جديد كسر شوكتهم وحرمهم من حريتهم النبيلة السابقة كما أفسد بعض أفرادهم.
• يحيى يخلف
لا يسمح المقام هنا بالتحدّث عن كثير من كتّاب القصة الفلسطينيين الذين تزداد أعدادهم باطّراد. لقد أنتح يحيى يخلف في أعماله التجريبية، في مجال القصة القصيرة والرواية، كتابات بالغة الرهافة رغم تفاوت مستوياتها. تقدّم لنا قصته تلك المرأة الوردة صورة محبّبة لعلاقة تقوم بين صبي وامرأة شابة جميلة ترعاه وتدعمه في عمله، ولكنها تقع، بسبب فقرها، ضحية الظلم والاستغلال، دون أن تفقد كرامتها وعزمها على المقاومة.
ويحيى يخلف هو أول فلسطيني يتجاوز حقاً مجال السياسة الفلسطينية الحالي ليصف عمليات الانتقام المرعبة التي تمارسها النظم القمعية الأصولية في بعض الأقطار العربية ضدّ من يثورون عليها. فهو يقدّم في روايته المعروفة نجران تحت الصفر (1975) وصفاً دقيقاً حيّاً، لا مثيل له في الأدب العربي الحديث، لعمليات قطع الرؤوس شبه الشعائرية لمجموعة من الثوّار في نجران.

أدب الداخل والشتات في السنوات الأخيرة
ومن الخصائص البارزة في الأدب الفلسطيني، خلال السنوات الأخيرة، سواء ما كُتب منه في الشتات أو داخل الوطن، قلّة التعامل مع القضايا العربية الكبرى، وهو وضع ازداد وضوحاً مع مرّ السنين (لم تكن هذه هي الحال في الخمسينات والستينات، حينما كانت استجابة الشعراء الفلسطينيين تحديداً لأحداث العالم العربي لا تقلّ عن استجابتهم للتجربة الفلسطينية)(82) وتبرز هذه الخصيصة بشكل خاص عندما يتعلّق الأمر بأقطار الخليج حيث ذهب الفلسطينيون، مع غيرهم من العرب، ليعملوا في حقل التعليم أو في إرساء البنية التحتية في الأقطار التي اغتنت حديثاً وأيقظها مجيء النفط على العالم الحديث.(83)
وقد أخذ الأدب الفلسطيني ينكفئ نحو الذات أكثر مع تفاقم الأزمة الوطنية بعد حرب حزيران سنة 1967، لكن كتّاب الشتات الذين كانوا يعيشون في أقطار مثل العراق ولبنان ظلّوا على علاقة أوثق بما يجري في البلاد التي يعيشون فيها.فروايات جبرا مثلاً تصور مجموعة متنوعة من المثقفين من لبنان والعراق، كما تصوّر ليانة بدر، في مجموعتها الجميلة بأجزائها الثلاثة، شرفة على الفاكهاني (1983) ثورياً تونسياً يعيش في بيروت، ويحارب، ويموت من أجل القضية الفلسطينية. (84) ويقدّم لنا رشاد أبو شاور في مذكراته عن الغزو الإسرائيلي عام 1982، التي عنوانها آه يا بيروت!(1983)، شخصيات من أقطار عربية وغير عربية. وتتضمن هذه الأعمال شعوراً بالتماثل مع العرب الآخرين، وليس مع قوميات عربية معيّنة وحسب. ومن الواضح أن الكتّاب الفلسطينيين،سيظلون يشعرون بهذا التماثل مع الثوريين والفقراء والمنفيين، وكذلك مع المثقفين كما في أعمال جبرا. ولكن على الرغم من أن كتّاباً فلسطينيين كثيرين عاشوا وعملوا في أقطار الخليج لسنوات عديدة فإنهم لا يشعرون بالتماثل مع مواطني هذه الأقطار التي اكتسبت الغنى حديثاً. وما يقدمونه من صور عن الحياة في الخليج تظلّ صوراً سلبية على الدوام. الكتّاب القلائل، الذين تضمّنت رواياتهم شخصيات من تلك المنطقة،يصوّرون تلك الشخصيات متخلفّة ثقافياً عن سواها. ذلك ما نجده مثلاً في رواية إبراهيم نصر الله براري الحُمّى، حيث يحيط بالشخصية الرئيسة عالم من الجهل والقسوة والتخلّف، وكذلك الأمر في رواية يحيى يخلف نجران تحت الصفر.
(يتبع)
توقيع دموع القمر
 
[
سلام اذا حان وقت مماتي,,,وغطى التراب الطهور رفاتي
فــــلا تــذكرونـــي بسوء,,, فيكفي حبي لكم طوال حياتي
دعوني أنم في قبري سعيدة,,, وعذرا عن كل ماضٍ وآتي ...
دموع القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-Sep-2007, 07:01 AM   رقم المشاركة : [18 (permalink)]
العضوة الكسولة

 الصورة الرمزية دموع القمر
 





دموع القمر will become famous soon enough

افتراضي

• مريم قاسم السعد
ومن الأمور التي تبرز، عند القراءة المتأنية لأدب الشتات، انعدامُ الارتباط بالأمكنة الجديدة التي نزل فيها الفلسطينيون في أيّ مكان خارج وطنهم، فهذه الشاعرة مريم قاسم السعد، التي تعيش في الولايات المتحدة، تصوّر الشوق الأبدي للجذور، وتقول في قصيدتها القصيرة رؤية:
السنون تمضي
والانتظار يستمر
والإيمان الواثق يبقى
هالة تضيء الأجيال
الرؤية تبقى حية.(85)
لكن قد تكون بيروت وصيدا وصور وبقية الجنوب اللبناني استثناءاً لأنها كثيراً ما تذكّر بمحبّة ومودّة. أما عمّان، حيث جرت الحرب الأهلية في أيلول عام 1970 (أيلول الأسود) فإن اسمها في الذاكرة مقترن بتجارب مؤلمة، والإشارات الإيجابية للقاهرة أو دمشق أو بغداد قليلة في هذا الأدب.
• موقف الكتاب الفلسطينيين من المدينة
ومما يتّصل بهذا البحث أن نتحدّث عن موقف الكتّاب الفلسطينيين من المدينة بشكل عام. إن المدينة ولتركيز على ما فيها من نواح سلبية موضوع بارز في الأدب العربي الحديث، خاصة في الشعر. ليس بالإمكان التوسّع في هذا الموضوع الغني هنا، لكن هذا الموضوع أضحى جزءاً من الاتجاه الحداثي منذ أن صب السيّاب جام غضبه على المدينة في الخمسينات واصفاً شوارعها:
وتلتفت حولي دروب المدينة
حبالاً من الطين يمضغن قلبي.
إلى أن يقول:
ويمناي لا مخلب للصراع فأسعى بها في دروب المدينة
ولا قبضة لانبعاث الحياة من الطين
لكنها محض طينة(86)
والمدينة هنا جدار صلد لا يمكن اختراقه، ومتاهة يضيع الشاعر في دروبها، وقد رأى فيها الشعراء آخرون مكاناً للرشوة والفساد والانحلال الاجتماعي والتآمر السياسي.
إنها أرض مليئة بالصبار، أو مطحنة، أو مفازة، أو مجرى قاذورات ليس له قرار، وغربة الشاعر فيها كاملة. كان هذا الموضوع من أبرز ما تناوله الشعر الحداثي، حيث امتزجت تجربة الشاعر عموماً في المدينة المخيفة بالتجربة الجماعية الساعية إلى فهم أعمق لمعنى الصراع بين المدينة والريف.
أما الاستثناء الوحيد لهذا الموقف من المدينة فنجده في الأدب الفلسطيني، فالمدينة الفلسطينية لم تكن يوماً ثمود أو سدوم أو عمورة، كما لم تكن يوماً مصدر تهديد أو مستودعاً للقذارة والفساد، بل كانت دوماً المدينة الضحيّة، ولم يكن الناس فيها يشعرون بالاغتراب والاستلاب لأنّها إمّا مدينة محاصرة يحتلها الغاصبون، أو مدينة فقدها أهلها وفي كلا الوضعين لا يمكن أن يكون ثمة اغتراب. والرعب المتصل بالمدينة الفلسطينية رغبٌ خارجي لا يصيبها على أيدي بنيها كما يحصل في المدن العربية الأخرى، بل تصيبها قوى خارجية معتدية. وهي ليست مدينة ضحية فقط، بل هي أيضاً مكان للبطولة، وموطن للمقاومة والنضال الوطني. ففي إحدى قصائده يصوّر راشد حسين (1936 – 1977) مدينة القدس وقد دقّت فيها ساعة المقاومة معلنة ميلاد الحقيقة. (87) ويصفها سميح القاسم في الأبيات التالية:
وعلى منعطف الشارع،
في أقصى المدينة
كان أطفال التواريخ الحزينة.
يجمعون الكتب والأخشاب واليتم،
البراويز، وأوتاد الخيام
علّها تصبح متراساً
يسدّ الدرب في وجه الظلام.(88)
هذه ليست مدينة الهزيمة التي تسكن بقية الشعر العربي، بل هي مدينة المقاومة بعد الهزيمة التي تفجّرت برقوقاً كما
قول محمود درويش، ويضيف:
قفي ملء الهزيمة يا مدينتنا النبيلة....
قد صار للإسمنت نبضٌ فيك
صار لكل قنطرةٍ جديلة.(89)
ولا يرى محمود درويش ذلك في مدينته وحسب، بل يراه كذلك في بيوت:آخر معقل وآخر ملاذ لشعب حرم الأمان في مدنه. أما جبرا، فبعد هجومه الأوّلي على المدينة، كما رأيناه في قصصه القصيرة، نجده يصوّر القدس في روايته مدينةً محبوبةً رائعة، كما نجد أنه لم يعد يرى المدن العربية الأخرى، مثل بيروت وبغداد، أماكن اغتراب واستلاب.
والأدب الفلسطيني في الشتات يعبّر عن إحساس عميق بالمكان وعن ارتباط به غالباً ما يصوّر في مواجهة مشاهد من المنافي. وعندما يركّز الكتّاب على استعادة مكان ثابت – قراهم أو مدنهم – فإنهم يفعلون ذلك على مهاد متنقّل من المنفى يطفو في عالم كثيراً ما يتسّم بالعداء، ونرى في هذا الأدب صورة متّصلة لمكان معرّض للمخاطر يتحرك فيه الشاعر أبداً نحو مكان محدد في وطنه الأصلي يجد فيه الأمان والاستقرار المنشودين. يستحضر ذلك أيضاً لمحات من الشعر العربي القديم، حيث يصوّر الشاعر الصحراء التي لا حدود لها تصويراً حيّاً يبعث الرهبة في النفوس – فهي مكان خطر مترامي الأطراف ملئ بالغدر ومشبع بحرارة الشمس المحرقة – ولكنه يؤدي بنا في نهاية المطاف إلى المكان المنشود. أما الآن فإن الشعراء يشبّهون الصحراء الشاسعة بالشتات، حيث يتحتّم على الفلسطيني المنفي أن يقتطع لنفسه وجوداً بانتظار العودة إلى تلك البقعة الصغيرة الثابة على الخريطة، وتفصل بين المكانين مخاطر وأهوال الرحلة المضنية عبر القفار.
وهناك في الشعر صور جديدة تظهر بسبب استمرار التنقّل بين المنافي وتوحي بانعدام المكان عند الفلسطيني، ويصف محمود درويش هذه الحالة من الوجود / اللاوجود بهذه الأبيات المعبّرة:
أعدّ لسيدتي صورتي
علّقيها إذا متّ فوق الجدار
تقول: وهل من جدارٍ لها؟
قلت: نبني لها غرفةً.
-أين ؟ في أيّ دار؟
أقول: سنبني لها دارها.
-أين ؟ في أيّ منفى؟(90)
ويضيق المكان أمام الفلسطيني بشكل مخيف، في الشعر الذي أعقب سنة 1982، أي ما كتب منه بعد الغزو الإسرائيلي للبنان والخروج الفلسطيني من بيروت بحيث علينا كما يقول محمود درويش، أن نخلع أعضاءنا كي نمر. ويصوّر محمود درويش في شعره حالة من الوجود المخنوق، كما يفعل الشيء نفسه زكريا محمد ومريد البرغوثي وعبد اللطيف عقل وغيرهم، إذ يصوّرون الفلسطينيين وهم يحتشدون في المطارات ويبحثون عبثاً عن مكان صغير يتمّمون فيه زواجاً، أو يواصلون السفر إلى ما لانهاية في قوافل متلاحقة مع أطفالهم وصرر ملابسهم، كما يموتون دون رؤية أحبابهم،ويعانون من الوحدة والوحشة والحر الحارق للحصول على لقمة العيش في أحد منافي هذا العالم الواسع.
الشعر بعد سنة 1967
• الشعر الفلسطيني في الثمانينات والحداثة
يزخر المشهد الأدبي الفلسطيني بفيض من الشعراء، وعلى الرغم من التطوّر المستمر للفن القصصي الفلسطيني، في المناطق المختلفة التي يعيش فيها الفلسطينيون (الأراضي المحتلة وإسرائيل، وعالم الشتات الشاسع المنتشر والآن، دولة فلسطين)، وعلى الرغم من المستويات العالية التي تبلورت في الشعر. فقد بلغ الشعر الفلسطيني في الثمانينات، من حيث الكم والكيف معاً، مستويات لم يبلغها من قبل. لكن هذا النجاح لم يتحقّق أخيراً إلاّ بعد فترة من المحاولات الفاشلة خلال عقد السبعينات على أيدي عشرات الشعراء. وحتى الإنجاز الذي حققه محمود درويش، وبلغ ذروته في السبعينات، فإنه، رغم كل غناه وقيمته الفنية، لم يكن كافياً لتخفيف الوضع الذي كان يعاني منه الشعر الفلسطيني (والكثير من الشعر العربي) في تلك الفترة، فقد مرّ الشعر الفلسطيني، بين إنجاز شعراء الخمسينات والستينات وإنجاز شعراء الثمانينات، في مرحلة من الاضطراب،وخاض تجربة شاعت شيوعاً شاملاً ومحموماً، فظهر عدد كبير من الشعراء في حقبة السبعينات سرعان ما أفل نجمهم، وإن يكن قد بقي لبعضهم شهرة فإنما يرجع ذلك إلى التزامهم بالموضوع السياسي والهموم الوطنية. هذا وضع يستحق المزيد من الإيضاح.
هناك نقطتان رئيستان يجب النظر فيهما عند البحث في شعر السبعينات، تتعلّق الأولى بجمالية القصيدة، وتتعلّق الثانية بدلالاتها المعنوية. أما النقطة الأولى فمصدرها تلك المغامرة الكبرى التي خاضها الشعر العربي بأسره (بما في ذلك الفلسطيني) في مجال اللغة والصورة في تلك الفترة. فقد أخذ الشعر يستقصي الإمكانات المجازية في الشعر العربي بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخه الطويل، حتى في التجارب الفائقة البراعة التي قام بها الشعراء العباسيون والأندلسيون في العصور الوسطى، وقد تزعّم هذه المغامرة الشاعر السوري أدونيس، الذي فجّر في أوائل الستينات القوة الكامنة في الصورة الشعرية وأبدع صوراً مضيئة ومعقّدة كثيراً ما باعدت بين طرفي التشبيه. وقد أصرّ أدونيس على الطرافة والجدّة وسعى نحو الغرابة، وأبدى مهارة فائقة في اقتطاف المجازات من جميع مناحي الحياة، فغدت تجربته محطّ نظر العديد من الشعراء الشباب، وانتشرت بينهم انتشار النار في الهشيم، فغدا الابتكار في اللغة والصورة هدفاً يقصد لذاته في كثير من الأحيان. وكانت هذه التجربة في أحسن حالاتها تجربة مركزة تتجنّب التعبير المباشر وتنأى عن الأشكال المرئية في محيط الشاعر، وكانت المجازات فيها ضرورات جمالية تتطابق مع رؤيا الشاعر الخاصة. وهكذا بدأت فترة من الحرص الواعي على الناحية الجمالية اتصفت بدرجة عالية من التّأنق المتعمّد. هذه الخصائص الحداثية المحددة تكون أكثر وضوحاً في الفنون المرئية، لكنها تظهر في الشعر في طريقة التعامل الجريئة مع الصورة، حيث لا يقصد من الصور تمثيل الواقع بل بلورة الصور وتحقيقها لذاتها وفي الشكل الذي أبدعت فيه، وذلك يختلف عن الاستعمال التقليدي للصورة في الأدب الواقعي، حيث استعملت إما للزينة أو لدعم المقصد الدلالي المباشر للقصيدة.
وكان مما ساعد على انطلاق هذه التجربة أن شعر الستينات، الذي ورث كل تلك التجارب المتنوعة التي ظهرت خلال العقود الستة التي سبقته، من الكلاسيكية المحدثة مروراً بالرومانسية والرمزية والواقعية المحدثة وبعض المحاولات السريالية، قد اكتسب من المرونة ما جعله يتقبّل المغامرة الجديدة. وبغض النظر عن نجاح الشعراء أو إخفاقهم فإنهم أصبحوا الآن قادرين على تشكيل المادة التي بين أيديهم وعلى اللعب باللغة والصورة دون مقاومة من الأدوات الشعرية ذاتها، التي اتضح أنها صارت في غاية الطواعية، ودون أن يعيقهم أي تقديس واع للأعراف والأساليب الشعرية الموروثة التي كانت قد اهتزّت وفقدت ثباتها القديم.
ومما ساعد على رسوخ التجربة أن لغة أدونيس حافظت، رغم مفرداتها الجديدة الخلاّقة، على صلاتها الكلاسيكية القوية ولعى جرس اللغة الشعرية القديمة وجزالتها وبلاغتها العميقة.
ورغم النزوع السائد بين الشعراء عامة إلى رفض القديم فإنه لا شكّ في أن الشغف الموروث برفعة اللغة ورقيها لم يختف قط، ولذا لم يشعر الشعراء والنقّاد من ناحية، والقرّاء المثقفون من ناحية أخرى (كان تعقيد الشعر عقبة أمام القارئ العادي)، بأن الشعر قد اجتثّ تماماً من جذوره كما لا بدّ أنّهم شعروا لدى قراءة شعر صلاح عبد الصبور، على سبيل المثال، وذلك بلهجته التي غالباً ما تقترب من لهجة الحديث العادي، وبلغته غير المشرقة والقريبة من اللغة المحكية.
كان أدونيس قد بدأ – كما سبق أن ذكرت – ب