| | رقم المشاركة : [1 (permalink)] | |
| العضوة الكسولة ![]() ![]()
|
مقدمة "الأدب الفلسطيني" في العصر الحديث بقلم: سلمى الخضراء الجيوسي تمهيد • التطور الداخلي للفن الشعري على الرغم من أنني أوليت العوامل الاجتماعية والسياسية بعض الاهتمام في دراستي للشعر العربي الحديث وذلك بوصفها عوامل [خارجية] هامة وراء التغيرات التي طرأت على مفاهيم المبدعين العرب وعلى وعيهم (1) فإن اهتمامي الأول انصب على التطوّر الداخلي للفن الشعري، وهو تطوّر حدّدت معالمه بالدرجة الأولى عناصر من طبيعة فن الشعر نفسه. يستند هذا المنهج على نظرة تقول إن الفن يمل قوانين نموه وتطوّره الخاصة به، وإن العامل الحاسم في تطور الفن هو حاجات الفنّ نفسه ومتطلباته وإمكاناته في لحظة من لحظات تاريخه، مع أن هذه القوانين تتأثّر أيضاً بقوى خارجية اجتماعية وسياسية ونفسية. • عوامل تطور الأدب ويعتمد تطوّر الأدب على عوامل عديدة تعمل معاً لتؤثر على وجهة تطوّره. غير أن الآراء النقدية تتفاوت في مقدار الأهمية التي تعزوها لهذه المؤثرات. فهناك، أولاً، من يؤكد على الحتمية الاجتماعية بوصفها أساس التغيّر في الفنّ، ويرى أنّ الفن يعتمد على عوامل اجتماعية ( وسياسية) تقرّر اتجاهاته وأغراضه وأساليبه، وكتابات الناقد الفرنسي إيبولت تين Hippolyte Taine معروفة حق المعرفة في هذا المجال، كما هي حال كتابات أتباع ماركس marx وإنجلز (2) من ذوي التوجه الاجتماعي. لكن هناك من مؤرّخي الأدب، أمثال شارل أو غسطين سانت بيف Charles Ausustin Sainte-Beuve. ومن بعده أتباع فرويد Frued، من يعد العوامل النفسية المؤثرة على شخصية المؤلف هي المحدّد في عملية التطوّر الأدبي، غير أن ثمة فريقاً ثالثاً يرى أن الأدب بوصفه شكلاً فنياً لا يتأثر بالعوامل الخارجية وحسب، بل بدينامية خاصة في الفنّ نفسه تدفعه إلى التغيير أو تعيقه عنه. (3) أما العوامل السياسية فكثيراً ما تتدخل، بسبب ما لها من أهمية مباشرة، في العملية الفنية بحيث تحرفها عن وجهتها الطبيعية لصالح التزام ما أو فكر سياسيّ معيّن. غير أن تاريخ الأدب العربي يبيّن أن الفن له طريقته الخاصة في العودة إلى مجراه الطبيعي في مجال التطوّر والنموّ. • هدف الدراسة هذه هي، بشكل جليّ، حالة الأدب الفلسطيني كما سنرى، والشعر منه بخاصة، وهو أعمق الفنون العربية جذوراً. لكن يبقى هنالك فرق ملحوظ بين الطريقة التي تعامل بها الكاتب الفلسطيني المبدع مع العوامل الخارجية وتفاعل معها، وبين الطريقة التي اتبعها الكتاب الآخرون في العالم العربي، والهدف الأول لهذه المقدّمة لا يقتصر على وصف التطور التاريخي للأنواع الأدبية الفلسطينية الحديثة، فهذا يشكّل جزءاً من تطوّر الأنواع الأدبية العربية عموماً - وهو موضوع تناولته ضمن سياق عربي عام في كتابات أخرى لي- (4) بل الهدف الأول هو وصف الطريقة التي حقق الأدب الفلسطيني بها خصوصيّته أو التي اختلف بها أحياناً عن غيره من الكتابات الأدبية المعاصرة في العالم العربي. (يتبع) | |
| | ||
| | |
| | رقم المشاركة : [2 (permalink)] | |
| العضوة الكسولة ![]() ![]()
|
• الأدب الفلسطيني والأدب العربي وعلى الرغم من أن الأدب الفلسطيني جزء لا يتجزأ من الأدب العربي الحديث، وأنه ساهم مساهمة كاملة في كل التجارب الثورية التي شهدها الأدب العربي خلال هذا القرن، ومنذ عقد الخمسينات بوجه خاص، فإنه تميّز باختلافات بيّنة في بعض النواحي، خاصة في علاقته بالمكان والزمان، وفي لهجة الخطاب والاتجاهات، وفي انشغاله الخاص بالقضية السياسية السائدة. وقد يمكن القول إن الأدب العربي برمّته مشغول هذه الأيام بالصراع الاجتماعي السياسي الذي يخوضه الشعب العربي، ولكن لا شك في أن السياسة تفرض عبئاً أثقل على الكاتب الفلسطيني، فهي تحدّد عادة أن يعيش هذا الكاتب ويكتب، وتستدعي قدراً أكبر ما يكون ملتزمين بأفكار سياسية معيّنة ومنتمين إلى صفوف المعارضة. فهناك مشكلة الهوية بالنسبة إلى الفلسطينيين أن يقضوا حياتهم إما منفيين في بلاد أخرى، أو مواطنين من الدرجة الثانية في إسرائيل في حالة بقائهم في أرض أجدادهم، أو فاقدين، وذلك قبل تأسيس الدولة الفلسطينية، لصفة المواطنة تماماً عندما كانوا يعيشون تحت الاحتلال العسكريّ الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة. هناك طبعاً كتّاب عرب كثيرون اختاروا أن يعيشوا منفيّين في أرجاء العالم بسبب ظروف القمع الموجودة في العديد من الأقطار العربية، ولكن هناك أعداد أكبر بكثير من هؤلاء ممن يعيشون - على عكس الفلسطينيين- في بلادهم المتمتّعة بالسيادة الكاملة. • تجربة الأدب الفلسطيني إن التجربة الفلسطينية الحديثة قاسية لا ترحم، ولا تترك ناحية من نواحي الحياة دون التدخّل في أعمق أعماقها، وليس هنالك من فلسطيني يفلت من قبضتها، أو من كاتب يستطيع تفاديها. وهي تجربة لا يمكن نسيانها، كما لا يمكن تجاوز لوعتا. وسواء أكان الفلسطينيون في إسرائيل أم الضفة الغربية وغزة، أم في الشتات، فإنهم ملزمون، بحكم هويتهم الفلسطينية ذاتها، بأن يعيشوا حياة تتحكّم بها أحداث وظروف نابعة من رفضهم للأسر وضياع الوطن، مثلما تتحكّم بها نوايا الآخرين وشكوكهم ومخاوفهم وعدوانهم. ليس ثمة من مهرب، فالكاتب الذي يفكّر في التوجه توجّها منفصلاً عن السياسة كاتب يتنكّر للواقع والتجربة، والانغماس في تجربة الحياة اليومية العادية معناه خيانة حياة الفرد ذاته وخيانة شعبه. هذا يعني أن الكتّاب الفلسطينيين ليس لدينهم مجال للهروب، لأن أحداث التاريخ المعاصر تجرفهم في تيارها حتى قبل أو يولدوا. وهم محرومون من نعمة اختيار ما أحبوا من ماضيهم، ومن انتقاء ذكرياتهم، ومن إعادة ترتيب العلاقات التي تتجاوز الأحداث والظروف الخارجية. لقد أضحوا منفيين دائماً: أضحوا ذلك النمط من الغرباء الأبديين، الذين يكافحون ضدّ عقبات من كل نوع وحجم. ولكن أعظم نضال خاضهُ الكتّاب الفلسطينيون وأعظم انتصار حقّقوه، هو رفضهم أن يكونوا ضحايا الإنسانية الخانعين في النصف الثاني من القرن العشرين. ومع أنهم لم يتوقّفوا أبداً عن الإحساس بالمعضلة التي يحياها شعبهم، فإنهم يبدون من قوة التحمّل ما يعلو على المأساة ويتجاوز الضرورة. وهذا ما لوّن الأدب الفلسطيني المعاصر وحدّد وجهته ولهجته. قد يميل النقّاد ومؤرخو الأدب إلى أن يتوقعوا الرتابة والتقليد في هذا الأدب إن لم يدرسوه، وقد يتساءل المرء عن المدى المتاح لكتاب ارتبطوا بالوضع الفلسطيني ما دام هذا الوضع قد حدّد لهم مسار حياتهم الأساسي كله وأخضع هذا المسار لضروراته الخاصة، ولذا فإنه لممّا يبعث الدهشة والسرور معاً أن يكتشف الدارس أن الشعراء وكتّاب القصة والنثر الأدبي من الفلسطينيين (5) كانوا، حتى ضمن هذه الحدود الضّيقة، مبدعين إلى حدّ بعيد، وأنهم برزوا في مقدمة الكتّاب العرب، ولم يكتفوا بالمشاركة في التجارب الطليعة الناشطة المتعددة التي لا تنقطع، بل كثيراً ما قادوا الطريق نحو التجديد والتغيير. (يتبع) | |
| | ||
| | |
| | رقم المشاركة : [3 (permalink)] | |
| العضوة الكسولة ![]() ![]()
|
• الموضوعات والأدب الفلسطيني كذلك يجب ألاّ يغيب عن بالنا أن هناك – رغم هذه الحدود المفروضة على الكتّاب الفلسطينيين من حيث الموضوعات – مادة غنيّة للأدب في الوضع الراهن للأزمة الفلسطينية. فالنكبة الفلسطينية تحمل في طيّاتها مواقف كثيرة يمكن أن تتحول إلى رؤية مأساوية من ناحية، ورؤية بطولية من ناحية أخرى لمواقف المقاومة والأمل والإيمان بانتصار العدالة في النهاية. وما أكثر المواقف التي هي من هذا النوع، والتي تصلح للتناول الأدبي: الموت المجاني للضحايا والأبرياء؛ الموت الذي يسعى إليه الأبطال وهم في ريعان الشباب؛ المحاولات الدؤوب التي يصيبها الفشل؛ الاقتلاع الذي لا ينتهي من الجذور؛ المذلة التي يعانيها المهجّرون الفلسطينيون بتزايد مستمر في بقية أنحاء العالم العربي؛ ووضعهم المزري بوصفهم شعباً لا وطن له؛ وهناك في الضفة الغربية وقطاع غزة، اللذين كانت تسيطر عليها إسرائيل، الاعتقالات الضخمة التي مارسها العدو، وعمليات الإبعاد، ونسف المنازل، وإغلاق المؤسسات التعليمية، ومصادرة المياه والأراضي العربية، التي تشجّع الحكومة الإسرائيلية المستوطنين الصهاينة المتطرّفين على بناء المدن والمستوطنات فيها متحدّية بذلك قرارات الأمم المتحدة؛ وهناك الصراع العاطفي الذي يعاني منه عمّال الضفة الغربية وغزة وهم يستخدمون بأجور زهيدة لبناء إسرائيل ذاتها (6) وهناك الاغتراب المادي والمعنوي الذي لحق بالروح الفلسطينية في كل مكان. غير أن هذه الروح تمرّدت على محنتها من خلال الانتفاضة، وهي الثورة غير المسلّحة التي قام بها آلاف الأطفال والشباب الفلسطينيين الذي صمّموا على النضال من أجل الحرية، مواصلين بذلك ما يقرب من قرن الصراع والمقاومة اللذين خاضهما الفلسطينيون ضد الاستعمار المنظّم، وقد حوّلت ثورة الحجارة التي بدأت في كانون الأول سنة 1987 واستمرت لسنوات، ما هو مأساوي إلى ما هو بطولي، وسعت إلى تأكيد كرامتها في العالم، فغيّرت بذلك نظرة الآخرين إلى القضية الفلسطينية، وظهرت لغة جديدة يتحدّث بها الناس للمرّة الأولى بدت معها المزايدات السلبية عديمة الحول والقُوّة تماماً، وتبيّن للملايين في العالم أجمع أنهم هنا إزاء شعب يرفض الذلّ والهوان. ذلك أن الانتفاضة، التي سرعان ما باركها الفلسطينيون في المنفى سواء انتموا إلى منظمة التحرير الفلسطينية أم لم ينتموا، كانت ثورة عفوية انبثقت من قلب المأساة نفسها ومن ضمير الشعب الحي – كانت ثورة مسّت شغاف القلوب، وامتلأت بالقدرة على التضحية بالنفس، وخاطبت أعماق الضمير، حتّى كادت تكون شاعرية. إن هذه المقدمة لن تتوسّع في التاريخ السياسي الحديث لفلسطين، فقد أثبتّ سرداً للمعالم الرئيسة للأحداث التي حدّدت وجه الأدب الفلسطيني خلال هذا القرن، في بداية هذا الكتاب. والقارئ الذي يريد المزيد من التفاصيل يمكنه الرجوع إلى المراجع المتخصصة بتاريخ القضية الفلسطينية وأبعادها. وستقدّم الهوامش المُدرجة، في متن هذه المجموعة شرحاً للأحداث التي تشير إلى المختارات كلما دعت الحاجة. (يتبع) | |
| | ||
| | |
| | رقم المشاركة : [4 (permalink)] | |
| العضوة الكسولة ![]() ![]()
|
• مجابهة الأدب الفلسطيني عندما نتحدّث عن الأدب الفلسطيني المعاصر، فإننا، في واقع الحال، نُجابه بأدبين: أحدهما أنتجه كتّاب يعيشون على أرض فلسطين التاريخية (7)، والثاني أنتجه كتّاب يعيشون في الشتات. ففي سنة 1948، انشطرت الثقافة الفلسطينية ذات الجذور الراسخة، وظلّت الصلات المباشرة. بين الكتّاب العرب الذين يكتبون في (إسرائيل) والكتّاب الذين يكتبون في المنفى. شبه معدومة لما يقرب من عشرين سنة. واختلفت الحياة، تحت الاحتلال الأجنبي في (إسرائيل). اختلافاً كبيراً في بعض النواحي عنها في الأردن (الذي ضم الضفة الغربية وكانت تعيش فيه أغلبية فلسطينية) أو في الشتات في بقية البلاد العربية، حيث كانت تعيش أعداد كبيرة من الفلسطينيين المنفيين بصفة لاجئين. وقد كان معظم الدول العربية يعمد إلى وسائل القمع في معاملة الفلسطينيين رغم انشغال تلك الدول سياسياً وعاطفياً بالقضية الفلسطينية، وهو وضع خلق مشكلات كثيرة للفلسطينيين لم يسبق لها مثيل. لكن جناحي الثقافة الفلسطينية في أرض فلسطين نفسها عادا إلى الاتحاد بعد أن فتحت الحدود بين إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة بعد حرب سنة 1967، وتفهّم كلّ منهما تجربة الآخر تفهّماً كاملاً، وتمثّلها كما لو كانت تجربته الخاصة. • الاختلافات الثقافية لكن بقيت هناك بعض الاختلافات الثقافية، فالكتّاب العرب في (إسرائيل)، الذين ترعرعوا في ظل ثقافة غربية عن ثقافتهم وتعلّم أغلبهم اللغة العبرية لغة ثانية له، نشأت لديهم وجهة نظر ربما أثّرت على كتاباتهم (8) كذلك ينبغي أن نلاحظ أن عدداً كبيراً من الأعمال الإبداعية العربية، والقصة منها بشكل خاص، قد ترجم إلى اللغة العبرية، وذلك بالرغم من الإجراءات القمعية التي كثيراً ما فرضتها إسرائيل على الكتّاب الفلسطينيين، مثل ثمة انقطاع فعلي في التفاعل الأدبي بين الثقافتين: الثقافة العربية المتجذّرة في اللغة والتقاليد الموروثة، منذ أقدم الأزمنة، والثقافة الأخرى، التي تسعى بلغتا المجدّدة وبتجربتها الحديثة، (وهي تجربة تحقيق الذات التي ظلّ اليهود يطمحون إليها طوال قرون) إلى إيجاد معنى (بل إلى إيجاد تبرير في كثير من الأحيان) لهذه التجربة الجديدة المتمثّلة بسيادة قائمة على الفلسطينيون في الشتات اتصالاً مباشراً بالتجارب الأدبية الجذرية التي هيمنت على الأدب العربي منذ الخمسينات، وساهموا فيها مساهمة كاملة ومباشرة في فترة من أغنى فترات الأدب العربي، وما أن انتشروا في هذا العالم حتى أخذوا يتميّزون ويكتشفون إمكاناتهم الأدبية الكاملة، كما أخذ الشعراء الفلسطينيون المنفيّون يحتلّون مكان الصدارة بين الشعراء الطليعيين في العالم العربي. غير أن الأدب الفلسطيني لم يتميّز تاريخياً بأيّ من هذه الصفات الطليعيّة، وقد وصف كاتب حديث وضع هذا الأدب في أوائل القرن العشرين قائلاً: حتى مطلع القرن العشرين كان الشعر مقصوراً على الإخوانيات والمديح المفتعل والمناسبات الاجتماعية الخاصة، وكانت تتكرّر فيه المعاني المتوارثة، والتشبيهات والاستعارات المستسهلة، وتنعدم فيه الهموم الإنسانية، ويصدر عن فراغ نفسي وفكري. (9) ينطبق هذا الوصف على جانب كبير من الشعر العربي قبل النهضة الأدبية العربية الحديثة، التي بدأت في القرن التاسع عشر ثم نضجت في بعض مناطق من العالم العربي قبل تطورها في مناطق أخرى. (11) غير أن السببين اللذين أوردهما الرشدان لهذا الجدب – وهما أن فلسطين بلد مقدّس وأنها تخلو من المناظر الطبيعية الجميلة – لا أساس لهما من الصحة. فليس هناك ما يجعل قداسة المكان حائلاً دون الإبداع، فالإبداع الذي لا ينقطع في مدينة النجف العراقية، أقدس المراكز الشيعية في العالم، دليل على ذلك. أما الجمال الطبيعي فالواقع يخالف قول الرشدان. إذ إن فلسطين غنية بالجمال الطبيعي في بحرها وجبالها وبحيرتها، ولكن حتى لو كانت دعوى الكاتب الصحيحة فإن بعضاً من أروع الشعر العربي قد ولد ونضج في بيئة صحراوية خالصة. لكن ربما كان السبب هو أن فلسطين ظلّت منقطعة عن التيارات الثقافية الرئيسة التي كانت تنساب ما بين مصر ولبنان، وما بين لبنان والعراق ..... ولم تكن القدس في يوم من الأيام مركزاً لأي سلطة سياسية مركزية، خلافاً لغيرها من العواصم العربية، ولم يكن فيها أمراء أو رعاة للفنون يساندون الشعراء والكتّاب ويشجعونهم. (12) غير أن ثمة ظاهرة ثابتة جديرة بالملاحظة في تطوّر الأدب الفلسطيني الحديث، وهي أن معظم أصحاب المواهب من الفلسطينيين الذين اشتهروا، قبل عام 1948، عاشوا ودرسوا خارج فلسطين، فكل ما كانت تحتاجه قوة الإبداع الفلسطينية فيما يبدو هو الاتصال المباشر بالحياة الأدبية المزدهرة التي لم تكن قائمة في تلك الأيام إلاّ خارج حدودها. (13) (يتبع) | |
| | ||
| | |
| | رقم المشاركة : [5 (permalink)] | |
| العضوة الكسولة ![]() ![]()
|
ثنائية الداخل والمنفى وقد يفسّر هذا أيضاً ذلك التفاوت الراهن بين الأدب الفلسطيني الذي ما يزال يكتب داخل فلسطين، وذلك الذي يكتب في المنفى. ومما لا شك فيه، أن جزءاً غير قليل من الكتابة داخل إسرائيل وفي الضفة الغربية المحتلّة وقطاع غزة المحتلّة وقطاع غزّة يتّصف بالقوة والإبداع: إذ اشتهر العديد من الكتّاب الموهوبين هناك واكتسب بعضهم بجدارة، مثل إميل حبيبي، شهرة عالمية لما في أعمالهم من أصالة وقيمة جمالية عالية. (14) لكن كفّة ميزان الأدب الفلسطيني، الذي كُتب في المنفى ما تزال راجحة بشكل بيّن، وهذا يصح على الشعر والنثر معاً، (15) رغم أن التجارب الكثيرة في حقل المسرح داخل فلسطين تنقذ الوضع إلى حدّ ما. الأدب الفلسطيني قبل سنة 1948 • الشعر • إسعاف النشاشيبي على الرغم من أن المؤلفين الذين اشتهروا في فلسطين قبل سنة 1948، كان أكثرهم من الشعراء، فإن عددا من كتّاب النثر المتميّزين نالوا حظّاً من الشهرة أيضاً، منهم بعض كتّاب المقالات المهيمن كإسعاف النشاشيبي (1880 – 1947) وبعض أوائل كتّاب القصة. وقد كان النشاشيبي صاحب أسلوب أدبي كلاسيكي المنحى، وكان ذواقة للأدب يفضّل شوقي (1889 – 1932) على كل معاصريه من الشعراء. أما محاولاته في نظم الشعر فكانت ضعيفة، ولكن تأثيره كان كبيراً على مواطنيه في فلسطين بسبب اهتمامه الشديد بالأدب العربي، بما في ذلك الشعر. كذلك حاز على شهرة محليّة وعربية بصفته خطيباً مفوّهاً وكاتباً لطراز رفيع من النثر. أما كتّاب القصة الأوائل فسيأتي ذكرهم في قسم مستقلّ. وقد وجد الشعراء الفلسطينيون (بعد سنة 1948) أنهم لم يكونوا ورثةً لتاريخ شعري عربي طويل وحسب، بل وجدوا أنفسهم كذلك ورثةً لوضع سياسي جديد ومعقّد شعروا أنه لا فكاك لهم منه. وقد مال الشعر، قبل عقد الخمسينات، إلى الاستجابة العفوية للأحداث، فخضع لمتطلّبات المعنى في القصيدة، واكتفى بالتعبير عن الرسالة الخاصة التي بدا أنها هي الأهم ولها الأولوية المطلقة. • إبراهيم طوقان كان في طليعة الشعراء الأوائل إبراهيم طوقان (1905 – 1941)، الذي عبّر تعبيراً مؤثراً، بلغة ناريّة محكمة، عن أعمق مشاعر الفلسطينيين في كل مكان، فكسب بذلك شهرة عظيمة في العشرينات والثلاثينات. وقد تفتّحت موهبته خلال سني دراسته في الجامعة الأمريكية ببيروت حيث التقى بغيره من الشعراء العرب وشارك في الحياة الأدبية النشطة في الجامعة، ثم عاد إلى فلسطين تملؤه الثقة بدوره شاعراً، وتحدوه روح المسؤولية لتوعية أبناء وطنه بمشكلتهم. غير أن التزام طوقان السياسي لم يكبت فيه نوازعه الأخرى، خاصة ميله إلى المداعبة والتصور الفكه للتجربة. وقد كتب على هذا المنوال بعض المقطوعات الشعرية الخفيفة الممتعة، التي ما يزال أبناء وطنه يحفظونها عن ظهر قلب مثلما يحفظون شعره السياسي. وكان طوقان يمزج الهجاء السياسي بالسخرية اللاذعة كلما سمح المقام. هذه الموهبة النادرة، التي تمتزج فيها المأساة بالكوميديا وتلتحم النظرة الساخرة فيها بالالتزام العميق بالقضية التي يتناولها العمل الأدبي، لم تتكرر في الأدب الفلسطيني على أي مستوى ذي بال إلاّ في الأعمال القصصية التي كتبها إميل حبيبي، الذي يمتلك ناصية الكوميديا المأساوية. • بعد طوقان: محمود درويش وآخرون ولم يُبدِ أيّ الشعراء الفلسطينيين الآخرين الذين ظهروا بعد طوقان – وقد يكون بعضهم أفضل منه – أي اهتمام بالفكاهة أو السخرية، بل ساد كتابتهم عادة جوٌّ جاد مأساوي أو بطولي. وليس هنالك، حتى بين الشعراء الفلسطينيين الأصغر سنّاً ممن ظهروا في الثمانينات أو التسعينات وتمكّنوا – كما سنبيّن بعد قليل – من التعبير عن تجاربهم تعبيراً وجدانياً فارهاً: ليس هنالك من بينهم من يمتلك لهجة مثل طوقان ذات الطبقات المتعددة. ورغم كل ما يتمتع به محمود درويش (المولود سنة 1942) من مواهب نادرة، فإنه وقع أسيراً لقضية شعبه التي التزم بها، ووقع كذلك – الصرامة نفسها – أسيراً للصورة التي اصطنعها لنفسه، ألاّ وهي صورة الشاعر الناطق باسم ذلك الشعب على حساب أغلب التجارب الإنسانية الأخرى. (16) على أن الشعراء العرب الحديثيين (وكتّاب القصة العربية الحديثيين أيضاً) في البلاد العربية كلها، حتى أولئك الذين لم يعانوا ويلات التجربة الفلسطينية الحديثة وهزّاتها معاناة شخصية، مالوا بشكل لا استثناء له تقريباً إلى استخدام اللهجة الجادة، سواء أكتبوا كتابة رومانسية أو واقعية أو رمزية أو سريالية. لم تدخل أمور مثل الاستجابة الكوميدية للتجربة، والمحاكاة الساخرة، والمعنى المزدوج وأسلوب البيطار سك ( وهي قصة أو رواية تتحدّث عن مغامرات محتال ظريف)، والسخرية والتهكم [إلى الأدب العربي الحديث] بسهولة، ولم يستفد هذا الأدب من التراث الغنيّ بهذه العناصر في الأدبين العربي القديم والغربي إلاّ نادراً... [من الممكن] أنه كان ثمة عائق منع معظم الكتّاب من تفهّم الروح الكوميدية في الأدب في غمرة سعيهم لتصوير التجربة الإنسانية في وقت كان يشهد تغيرات سياسية واجتماعية عظيمة. (17) وقد اشتهر عدة شعراء آخرين قبل نكبة سنة 1948 (18)،وكانوا كلّهم، باستثناء مطلق عبد الخالق (1910 – 1937) وفدوى طوقان (المولودة سنة 1917) في أول عهدها، شعراء وقفوا شعرهم على المواضع السياسية، وجعلوا من أنفسهم متحدّثين باسم بلادهم ومحنتها. (يتبع) | |
| | ||
| | |
| | رقم المشاركة : [6 (permalink)] | |
| العضوة الكسولة ![]() ![]()
|
• مطلق عبد الخالق كان عبد الخالق نسيج وحده في زمنه، حيث كان الشاعر الرومانسي الوحيد في فلسطين قبل ظهور فدوى طوقان، وقد تأثّر تأثّراً عميقاً بشعراء المهجر في أمريكا الشمالية، فاختلف عن بقية شعراء بلاده بنظرته المتشائمة الخاصة للحياة، وكتب شعراً مليئاً بالكآبة والرغبة في الفناء: أوثرُ الموت أُرثرةً لا تُجارى وأرى في الحياة داءً وبيلا أطلبُ الموتَ وهو ينفرُ منّي يا لتعسي، هل أطلب المستحيلا! وفي قصيدة أخرى يصف الموت بأنه غادته الغيداء. وتبلغ نظرته التشاؤمية ذروتها في قوله، بني الناس دنياكم جيفة، وليس على أرضكم ما يسرّ ويصور في شعره، الذي جمع بعد وفاته في ديوان (الرحيل، 1938)، أعماقاً روحية وفلسفية لم يبلغها الشعر الفلسطيني قبله... ويبدي إدراكاً مرهفاً وفهماً عميقاً لمشكلة الوجود. (19) خذ على سبيل المثال هذه الأبيات: نحبّ ونكرهُ في لحظـةٍ ونشقى ونسعد في ثانية ونرتابُ في الأمر حتى اليقين ونوقن في الريبة الطاميـة وأبصارنا لا ترى في الضياء وتُبصرُ في الحُلكة الداجية • عبد الخالق والشعراء الفلسطيني كان عبد الخالق شاعراً موهوباً من غير شك، ولو لم تختطفه يد المنون لأضاف شيئاً من الأصالة والجدّة إلى الشعر الفلسطيني. غير أن الشعراء الآخرين لم يتأثّروا بشعره وذلك لقلّته من جهة ولغلبة الطابع السياسي على الشعر الفلسطيني، في ذلك الحين، من جهة أخرى، فمضوا يكتبون ضمن تراث الواقعية الذي استنّه إبراهيم طوقان، ولكن دون موهبة طوقان الخاصة. وكان الشعراء الفلسطينيون يكتبون بعضاً من أبيات الشعر العربي التزاماً بالقضايا السياسية، وذلك قبل احتدام الدعوة, في العالم العربي، للالتزام السياسي في الأدب خلال عقد الخمسينات. (20) • عبد الرحيم محمود وأبو سلمى ويستحقّ اثنان من هؤلاء الشعراء أن يشار إليهما هنا بشكل خاص، وهما عبد الرحيم محمود (1913 –1948) وأبو سلمى (عبد الكريم الكرمي: 1911 – 1984). تقوم شهرة عبد الرحيم محمود على مشاركته الفعلية في الحياة السياسية، فقد كانت قصائده البليغة المشحونة بالعاطفة تتنبأ، منذ أواخر الثلاثينات، بمصير الفلسطينيين. أما الشجاعة والتضحية بالنفس دفاعاً عن الشرف والوطن، وهما صفتان عبّر عنهما هذا الشاعر في شعره كذلك، فقد كانتا صفتين ملازمتين له، وجاءت ذروة التعبير عنهما في استشهاده في ساحة المعركة عام 1948 (21)، وقد تخلّد اسم عبد الرحيم محمود بوصفه الشاعر – الشهيد في هذه القصائد البليغة اللاهبة التي تعبّر عن الإيمان بالوطن والتفاني في سبيله.وتكمن هذه المشاركة في الحياة السياسية وراء شهرة أبي سلمى كذلك، فقد بدأ الكتابة في الثلاثينات متغنّياً بشجاعة الفلسطينيين ومقاومتهم، مؤكداً على وحدة الفلسطينيين العرب حيث يعانق الصليب الهلالا لأن المسيحيين والمسلمين كانوا يقفون الموقف نفسه. وقد عاش أبو سلمي بعد سنة 1948 منفياً في دمشق يعبّر عن آلام الفلسطينيين وآمالهم في كل أنحاء العالم، وتعاظمت شهرته مع مرّ السنين. لم يكن أيّ من أبي سلمي أو عبد الرحيم محمود شاعراً كبيراً، ولكن الموضوع السياسي الغالب في أشعارهما ضمن لهما مكانتهما الخاصة، فالسياسة تطغى في أشعارهما على كل ما عداها، ولكن انشغالهما بها كان من قبيل الانشغال المعروف والمقبول والمرغوب، ولا يظهر في شعرهما ميل للسيّر بعكس التيّار كما نجد في شعر عبد الخالق. وقد ظلّت هذه المشكلة كبيرة من مشكلات الأدب الفلسطيني، حتّى ما كان من إنتاج مواهب أكثر تميّزاً، فقد ندر أن غامر هذا الأدب – مع استثناءات نادرة مثل شعر توفيق صايغ (1924 – 1971) – قبل نهاية السبعينات، بتجاوز توقعات القرّاء والمستمعين والخروج عن المألوف والمعروف في الموضوع واللهجة والرؤية. ولم يستطع الشعراء الفلسطينيون، في تلك الفترة المبكّرة، أن يكتشفوا طرقاً لكتابة شعر طليعي راق يشبع الحاجات الروحية لقرائه ومستمعيه، ويحافظ في الوقت نفسه على الالتزام بالموقف السياسي الإيجابي. (22) غير أن المشكلة ظلّت فيما يبدو محصورة في الشعر، إذ نجد أن الفن القصصي الفلسطيني كان كذلك شديد الالتزام بالسياسة، عندما أخذ بالازدهار في الستينات وما بعدها، ولكنه أبدى قدراً أكبر من الحرّية والمرونة. وحيث أن الفن القصصي، الذي كان فنّاً جديداً نسبياً، لم يكن عميق الجذور في التراث الأدبي فإن جمهوره لم يكن يشعر بارتباط عاطفي به. أما الشعر فقد كان فنّاً تفاعل معه الجمهور تفاعلاً عفوياً مباشراً، وكان جمهوره منذ البداية جمهوراً عريضاً يضمّ نخبة المثقّفين وعامة الناس معاً. وكان الشعر توّاقاً إلى التعبير الجرئ عن الرفض المرير والتطلّع الواثق. • شعراء قبل عقد الخمسينات لم يستطع أيّ شاعر سياسي قبل عقد الخمسينات – باستثناء إبراهيم طوقان – أن يقدّم شيئاً فيه ما يكفي من الجدّة بحيث يخلق نهجاً جديداً. أما أبو سلمى نفسه، وهو شاعر ظلّ يكتب حتّى أواخر عقد السبعينات كما ظلّ محتفظاً بشعبيته، فإنه لم يُضف شيئاً يذكر إلى فنّية الشعر الفلسطيني وقيمته الجمالية بعد عقد الخمسينات. (23) • فدوى طوقان وعندما ظهرت فدوى طوقان في الأربعينات صدمت الوعي الشعري المعاصر في فلسطين بما بدا في شعرها من موقف انطوائي، لكنها كانت في الواقع تخوض حرباً شخصية عنيفة ضد التراث الاجتماعي من خلال الشكوى الأنثوية في البداية، ثم من خلال الاحتجاج بعد ازدياد حدة وعيها بمرور السنين، وأخيراً بتوكيد الذات وهو ما يُعدّ أعظم انتصار لها. (24) ولم تستطع فدوى طوقان أن تشارك بحريّة في صراع شعبها ضد العدوّ الخارجي إلاّ بعد أن كسبت حربها ضد مكانتها المنقوصة بصفتها امرأة، وقد تناولت هذه المسألة في سيرتها الذاتية وهي تستذكر طلب أبيها منها في الأربعينات أن تكتب شعراً سياسياً إذ تقول: كيف وبأي حق أو منطق يطلب مني والدي نظم الشعر السياسي وأنا حبيسة الجدران، لا أحضر مجالس الرجال ولا أسمع النقاشات الحادّة ولا أشارك في معمعة الحياة. حتى وطني لم أكن قد تعرّفت على وجهه بعد، فقد كان السفر محرّماً عليّ. (25) وكان من شأن تحقيقها لحريتها الشخصية أن توفّر لها المجال لمزيد من الانشغال الجماعي في الحياة السياسية يوم كانت بلادها تقع في نكبة تلو أخرى. (يتبع) | |
| | ||
| | |
| | رقم المشاركة : [7 (permalink)] | |
| العضوة الكسولة ![]() ![]()
|
• الفن القصصي • الأدب القصصي والرواية والمرحلة التجريبية ربما كان لزاماً علينا، قبل الانتقال إلى الحديث عن شعر فدوى طوقان المتأخّر وغيره من الشعر الفلسطيني الذي كتب بعد سنة 1948، أن نتناول الفن القصصي الفلسطيني قبل هذا التاريخ. كان هذا الفن بشكليه الحديثين (القصة القصيرة والرواية) ما يزال في مراحله التجريبية، في النصف الأول من القرن العشرين. والأدب عملية تراكمية، كما أنه نتاج مؤلّفين ناشئين يستجيبون للمؤثرات الخارجية أو لرغبتهم الكامنة في التطوّر. أما الفن القصصي العربي، فقد كان يفتقر إلى التجربة التراكمية، وإلى الشجاعة، وإلى متابعة التجريب في هذا الشكل الجديد الذي كان ما يزال غير واثق الخطى – وهذا وضعٌ تزداد صعوبته عندما تواجه الكتّاب ضرورة سياسية عاجلة، إذ يميلون، في ظروف كهذه، إلى تلك الفترة المبكّرة، يكافح لتثبيت أقدامه، وكان وضعه انعكاساً لضعفه في معظم أقطار العربية، حيث لم يُفلح الكتّاب بعد في إرساء المعايير والأشكال لهذا النوع الفني الجديد، كما لم يتمكّن المؤلفون الطامحون من ترجمة وقائع الحياة العربية المعاصرة إلى فنّ قصصي له قيمة جمالية حقيقية. لا مراء في أن ثمة تراثاً قصصياً عريقاً في اللغة العربية جرى تداوله عبر القرون شفاهاً وكتابة. وعندما نذكر قصص الحب والمغامرة التي ازدهرت في العصر الأموي بشكل خاص، (26) وقصص كليلة ودمنة ذات الصبغة الأليغورية، (27) وألف ليلة وليلة، والمقامات العباسية، (28) والقصة الترميزية الفلسفية التي تمثّلها قصة حي بن يقظان، (29) وفن النوادر، والقصص الشعبية البطولية الكثيرة، وآلاف الحكايات الشعبية التي حفظتها ذاكرة الناس العاديّين – والنساء بخاصة، فإن بوسعنا أن نرى الأدب العربيّ غنيّ جداً في هذا المجال. لكن هذه الأنواع من الفنّ القصصي تختلف عن فن القصة القصيرة وفن الرواية الحديثين، وهما فنّان من نتاج المجتمع البرجوازي من ناحية ومن نتاج تراث تأسس بعد اختراع الطباعة من ناحية أخرى. فالطريقة، التي يترجم بها هذان الفنّان عناصر الحياة إلى عناصر قصصية، تتطلّب طريقة مختلفة في القصّ. • الفن القصصي والأمثلة الحديثة يبدو أن الفن القصصي الفلسطيني في القرن العشرين استوحى، في مراحله المبكّرة، القصة الغربية المترجمة إلى اللغة العربية بالمقام الأول، وكانت هذه حالة في البلدان العربية بأسرها، حيث أخذت أولى قواعد هذا الفن مباشرة من الأمثلة الحديثة الأولى لفنّي القصة القصيرة والرواية في الأدب الغربي الحديث. ولم يبدأ باستلهام أنواع القصص التي يزخر بها الأدب العربي إلاّ بعد ذلك، أي حوالي منتصف القرن. • خليل بيدس وأحمد شاكر الكرمي وجميل البحري جاء أوّل الجهود المركّزة لشدّ انتباه الكتاب الفلسطينيين من ذوي الطموح الأدبي إلى الفنّ القصصي وإلى قدرته على تلبية حاجات جمهور القرّاء المتنامي، من جانب كتّاب مثل خليل بيدس (19875 – 1949) وأحمد شاكر الكرمي (1894- 1927) وجميل البحري (الذي توفى في ريعان الشباب سنة 1930). وبرم تأثيرهم بطرق متعددة: أولاً: أسّس كلّ منهم مجلّة أدبية خاصة به وأشرف على تحريرها بنفسه، وغدت تلك المجلات منابر مبكّرة لنشر القصص التي كان أغلبها مترجماً عن اللغات الأوربية. (30) ثانيا: عمل ثلاثتهم في مجال الترجمة الأدبية الهام: إذ ترجم بيدس، الذي درس في المدرسة الأرثوذكسية الروسية في الناصرة، مباشرة عن الأدب الروسي أو عن ترجمات روسيّة لكتّاب أوربيين آخرين مثل ماري كوريلّي وفكتور هوغو. وكان الكرمي يجيد الإنجليزية، فترجم أعمالاً لأوسكار وايلد ومارك توين، كما ترجم عن ترجمات إنجليزية لأعمال كتّاب أوربيين مثل جي دوموباسان، وبريناردان دي سان بيير، وتولستوي، وتشيخوف. أما البحري فقد حوّل العديد من النصوص القصصية إلى نصوص مسرحية، (31) وكان مولعاً بشكل خاص بترجمة القصص البوليسية. ثالثاً: كتب هؤلاء الكتّاب في النظرية، فأكدوا على أهمية الفن القصصي لمجتمعهم الفلسطيني المعاصر. كان بيدس يرى أن القصة ركن من أهم أركان الحضارة وأسهلها انتشاراً وأقدرها على التأثير على قلوب الناس وأرواحهم وعلى أخلاقهم وعاداتهم. (32) وعلى كاتب القصة في رأيه أن يكتب للعامة وليس للخاصة، ولذا فإن عليه أن يختلط بعامة الناس ويتعرّف على حياتهم ومشاكلهم، فالكاتب في نظره نبيّ ما لا يراه الآخرون. والكاتب الحقيقي هو ذلك الذي يعيش للفنّ ويكتب للفنّ. (33) والعمل القصصي الكامل هو ذلك الذي يطمح لأهداف عليا فيُعلي من شأن الفضيلة ويذمّ الرذيلة سعياً للارتقاء بشخصية القارئ وتنوير عقله. يقول بيدس، لا شك في أن قيمة القصة تكمن بما فيها من منفعة وبما ترمي إليه من مغزة. (34) كذلك فإن أحمد شاكر الكرمي يرى أن على الفن القصصي أن يسعى للفائدة الأخلاقية ولتقديم نقد بنّاء للمظاهر البالية في المجتمع الفلسطيني في أيامه. (35) نجد هذا الموقف الأخلاقي كذلك عند جميل البحري الذي لم يتوان عن تحرير النصوص التي عمل على مسرحتها، مستبعداً ما كان يحسبه عديم الفائدة من المشاهد الغرامية التي لا تناسب أعين الشباب وأسماعهم في رأيه. (36) يعزي لخليل بيدس فضل كتابة أوّل رواية فلسطينية معروفة هي رواية الوريث التي ظهرت في القدس سنة 1920، وقد كتب بيدس أيضاً قصصاً قصيرة ونشر أوّل مجموعة منها بعنوان (آفاق الفكر)، في القاهرة سنة 1924 (مع المقدّمة التي اقتبسنا منها أعلاه). (37) ويعدّ خليل بيدس بحقّ أبا القصة الفلسطينية بسبب تعدّد أوجه نشاطه في الترويج لها. تصوّر رواية الوريث حياة شاب من عائلة سورية تشتغل بالتجارة هاجرت إلى مصر. وهناك يقع الشاب في حبّ راقصة يهودية تصوّرها الرواية على أنها مصّاصة دماء، ويساعدها في ابتزاز الأموال من الشاب نفرٌ من بني جلدتها، فيقع في حبائلهم ويغرق في ديون طائلة، ولا ينقذه من المرض والإفلاس إلاّ عودته إلى العمل وإلى كنف العائلة والحياة الطبيعية. لكن الرواية لا تتناول الخطر الحقيقي الذي كان يتهدّد المجتمع الفلسطيني في أواخر العقد الثاني من القرن العشرين – أي مباشرة بعد أن كُشف عن وعد بلفور وبدأت الهجرة اليهوديّة المنظّمة إلى فلسطين – بل إنها تقدّم نظرة تحقيرية ليهودٍ على شاكلة شايْلُك، فتصوّرهم جشعين لا يتورّعون عن ارتكاب الفظائع للحصول على المال. وإن كان المؤلف قد قصد حقاً أن يحذّر أبناء شعبه الفلسطينيين ضد خطط اليهود للاستيلاء على أجزاء من وطنه فإنه عالج المسألة معالجة غير مباشرة، ولذا كانت عديمة التأثير، فجعل الشخصيات سورية والمكان مصرياً، وركّز على الأخلاقيات الموروثة والنظرة التقليدية، بدل أن يضع يده على الأبعاد الحقيقية للحركة الصهيونية وما تنطوي عليه هذه الحركة بالنسبة للفلسطينيين. (38) (يتبع) | |
| | ||
| | |
| | رقم المشاركة : [8 (permalink)] | |
| العضوة الكسولة ![]() ![]()
|
• إسحاق موسى الحسيني والرواية المهمة الثانية (39) من تأليف كاتب فلسطيني، هي مذكرات دجاجة (1943) لإسحاق موسى الحسيني (المتوفى عام 1990) (40). وقد حازت الرواية، بمقدمتها التي كتبها لها طه حسين، عميد الأدب العربي آنذاك، على شهرة آنية في العالم العربي وأعيد طبعها عدة مرات. ولربما كانت هذه الرواية أول عمل قصصي معاصر يستفيد استفادة مباشرة من التراث الأدبي العربي، فهي قصة ترميزية على غرار كليلة ودمنة لابن المقفّع، حيث تروي الأحداث على لسان الحيوانات، والحيوان في المذكّرات دجاجة تُظهر قدراً كبيراً من الحكمة والميل لعمل الخير والقدرة على الحكم الصائب بشأن القضايا الأخلاقية والوجودية. تبدأ القصة بالدجاجة وهي تنتقل إلى موطن جديد، حيث لا بدّ من إنشاء علاقات جديدة. لكن سعادة الدجاجة تتعرّض للخطر عندما يهاجم أعداء، على هيئة العمالقة، المكان الذي يعيش فيه الدجاجة ويطردون معظم السكّان . وعندما يصمم جيل جديد من الطيور على الانتقام من المعتدين فإن الدجاجة تقنعهم بالعدول عن الفكرة وبمحاولة حلّ المشكلة عن طريق الانتشار في العالم للدعوة للعدالة وإقناع المعتدين بأن أعمالهم سترتدّ عليهم: توزّعوا بين الخلق، وانشروا المثل العليا، والمبادئ السامية. وإني لواثقة بأنا سنلقي في مأوانا هذا بعد أن نطهّر العالم أجمع – لا وطننا الصغير فحسب – من هذه الضلالات. (41) لكن المثل الأعلى الروحي، الذي تطمح إليه الرواية إلى الحذر والاسترضاء والسلام مهما بلغ الثمن، كان بعيداً كل البعد عن حقائق الحياة السياسية التي أحاطت بالمؤلف، فمن الواضح أنه كان يتمسّك بوهم مفاده أن هذا النوع من التضحية بالذات، حتى في وجه عدوّ لا يرحم، سيضمن السلام والنجاح النهائي.(42) • المحاولات الأخرى وأهميتها كانت ثمة محاولات عديدة أخرى في مجال الفن القصصي في فلسطين العربية، ولكن هذه الأعمال لم تكتسب أهمية خاصة في الأدب الفلسطيني في ذلك الوقت. وذلك أولاً، لأن الشعر كان ما يزال هو المسيطر في الساحة الأدبية، وثانياً لأن هذه المحاولات كانت ما تزال في مرحلة التجريب، فلم تنتج أعمالاً أدبية قادرة على إثارة الاهتمام على نطاق واسع،(43) غير أن ثمة عدداً من النقاط التي تستحق الاهتمام النقدي، ففي المقام الأول كان الاتجاه التعليمي الوعظي هو السائد في معظم الأعمال مدار البحث، وهي أعمال تعكس مبادئها مع مبادئه الأساسية تناقضاً تاماً – وهي ثقافة المهاجرين اليهود الأوروبية في تلك الحقبة. ركّز المنحى التعليمي، بالدرجة الأولى، على المشكلات الاجتماعية، حيث كان الأدب الفلسطيني في هذه الفترة يُبرز هيمنة المشكلات الاجتماعية على المشكلات السياسية (رغم أن هذه الأخيرة كانت بالغة الخطورة)، وذلك في مجتمع حديث العهد بالحياة العصرية، وقد كان يبدو واضحاً أن الوعي السياسي لم يصبح بعد جزءاً من الالتزام الفنّي لكاتب القصة، وكان الاتجاه العام نحو الصراع السياسي اتجاهاً مثالياً يجسّد قيم الشجاعة والتضحية والبطولة والمقاومة والجلد والخلاص، إلى آخر ما هنالك من قيم ترتبط تلقائياً بالنضال السياسي في مجتمع تقليدي ما يزال جاهلاً بالدبلوماسية السياسية العصرية وطرقها الملتوية. كانت هذه المثل العليا تشكّل مادة الشعر، وكان الشعر الفلسطيني زخراً بها، أما الموضوعات السياسية التي تناسب الفن القصصي – ذلك الفن الذي يفسح المجال للتحليل وللأمور الدنيوية ولمناح أوسع من التجربة الإنسانية – فلم يكن من السهل أن يعالجها الكتّاب الذين كانوا ما يزالون عاجزين عن تصوّر المواقف غير المثالية للشخصيات القصصية الحديثة، وعن تمثّل وعي سياسي يترجمونه إلى تجربة يومية يعيشها الأفراد العاديّون. ويجب التأكيد هنا أن صراع كتّاب القصة كان صراعاً مزدوجاً، إذ لم يكن عليهم أن يتقنوا استخدام أدوات هذا النوع الفنّي الجديد وحسب، بل كان لزاماً عليهم كذلك أن يتّخذوا موقفاً من المأزق السياسي الذي فرضته على شعبهم الاستراتيجية الصهيونية العالمية الخطرة، ولكنهم لم يحرزوا المعرفة الداخلية الضرورية للنوع الثاني من الصراع قبل نكبة عام 1948 التي لم تأتِ بالمأساة فقط، بل أنتجت وعياً أعمق بالمؤامرة العالمية العامة، والغربية بشكل خاص، وهي المؤامرة التي أحاطت بالحياة الفلسطينية طوال الجزء الأعظم من القرن العشرين. وإذا ما نظرنا، في ضوء ما تقدّم، إلى غلبة المشكلات الاجتماعية على المشكلات السياسية فيما كتب من قصص قبل عام 1948، فإن ذلك يغدو أمراً يمكن تفهّمه. كذلك فإن الكتّاب الفلسطينيين، الذين خاضوا تجربة الكتابة في هذا المجال، لم يجدوا أمثلة جاهزة يحذون حذوها، ذلك لأنهم تأثروا بالفن القصصي الغربي الذي لم يكن يعرف الالتزام السياسي لارتباطه بعهود أكثر هدوءاً وطمأنينة. في المقام الثاني: كانت المواقف السائدة نحو القيم الموروثة إيجابية ودفاعية في آن معاً. وكما ذكرت سابقاً، فإن الصدمة الأولى المباشرة لوجود اليهود في البلاد هي التي شغلت العرب قبل كل شيء، فشعروا بأن الحرية الشخصية والاجتماعية، التي أبداها اليهود الأوروبيون الذين أصبحوا يعيشون الآن في معظم المدن الكبرى في فلسطين، تشكّل تهديداً للقيم الفلسطينية الموروثة ولقواعد السلوك الأخلاقي الصارمة عندهم. وقد تمسّك الناس بشدّة في هذه الفترة بهذه القيم التي تعود إلى مجتمعهم الفلسطيني والمجتمع العربي بوجه عام، ولم تصبح هذه القيم هدفاً للهجوم إلاّ في وقت لاحق من القرن، أولاً بعد فشل محاولة عام 1948 في استرجاع الوطن بمساعدة الجيوش العربية، ثم بعد ذلك، وبصوت أعلى، بعد حرب حزيران سنة 1967 التي كشفت عن إفلاس العديد من القيم والمعايير العربية الموروثة. في المقام الثالث: أبدى كتّاب الفن القصصي والمترجمون رغبة في تسلية قرائهم لا تقل عن رغبتهم في تعليمهم، فاختاروا عند ترجمة القصص الغربية ما كان مناسباً لروح العصر، مثال ذلك أعمال الروائية الفكتورية ماري كوريلي التي كانت كتبها ذات منحى أخلاقي ولكنها كتبت بأسلوب منمّق وكانت رائجة في زمانها. وقد اعتاد الناس في كل الأحوال أن يتوقّعوا التسلية في الأعمال القصصية لأن الأنواع الأدبية العربية التقليدية المتمثّلة في الحكاية الشعبية والقصة الغرامية الشعبية نحت هذا المنحى.(44) الأدب الفلسطيني بعد عام 1948 • النكبة الفلسطينية عام 1948 ونقطة التحول ربما كانت النكبة الفلسطينية عام 1948، بما أحدثته من هزّات نفسية وجسدية مدمّرة، أول حدث يمكن وصفه بكلّ دقة بأنه نقطة تحوّل في الأدب العربي الحديث على صعيد العالم العربي بأسره؛ فقد مثّل ذلك الحديث خطّاً فاصلاً بين زمن ساد فيه هدوءٌ نسبيّ، وثقة وأملٌ زائفان، وزمن شهد إدراكاً مفجعاً للذات وعمّ فيه اليأس والقلق والشك العميق والاضطرابات العام. غير أن النكبة فتحت العيون أيضاً، فقد ظهرت، مع الإدراك الفجائي لإفلاس النظام العربي القديم، قوة جديدة ولدت من ثنايا العذاب، وظهر ذلك النوع من إرادة الحياة ومن الرغبة في تجاوز الفجيعة مما لا يعرفه إلاّ أناس مرّوا بتجربة الفقد والمأساة، فقد دبّت الحياة فجأة في الفلسطينيين والعرب كافة خلال الخمسينات وشكّلوا تحدّياً قويّاً للذات وللعديد من المؤسسات الثقافية والاجتماعية والسياسية الموروثة بشكل لم يكن من الممكن تصوّره في الأربعينات. وشهدت المنطقة على الجبهة السياسية ثورات وانقلابات متكرّرة غيّرت خارطة المنطقة السياسية. حدثت عدّة انقلابات في سورية، بينما أنهت الثورة المصرية الكبرى عام 1952 حكم الملك فاروق والنظام الاقتصادي البالي والقاسي الذي كان سائداً في ذلك الوقت. وفي العراق وضعت ثورة عام 1958 حداً لحكم العائلة الملكية الهاشمية وأدخلت النظام الجماهيري. وفي الجزائر كانت الثورة التي دامت عشر سنوات ضد استعمار فرنسي راسخ الجذور وتُوّجت بالنصر عام 1962 مصدراً للثقة والفخر في عالم عربي كان بأمس الحاجة لاستعادة الثقة بالنفس. وفي أواخر الستينات نجح اليمن (الجنوبي عام 1967 والشمالي عام 1969) في إنهاء حكم الأئمة المظلم، الذي زج بالبلاد في حمأة الفقر المدقع والرجعية. كان التطلّع ة. كان التطلّع إلى التحرّر والحرية بادياً في كل مكان وعلى الجبهتين الداخلية والخارجية على حد سواء. أما في المجال الاجتماعي فقد شهدت المنطقة شجاعة جديدة وضعت النظام الموروث موضع تساؤل، وتحدّت الاتجاهات القمعية فيما يخص الحبّ والجنس، وتحدّت كل شيء وضع المرأة ودورها في المجتمع. ولم يعد ذلك الشوق الملحّ إلى الحب والسعادة الفردية، وهو ما عبر عنه الشعر الرومانسي في العشرينات والثلاثينات والأربعينات تعبيراً مؤثراً في العالم العربي كله، لم يعد هذا الشوق موضوعاً مركزياً في الشعر. فقد خفّت القيود المفروضة على السلوك الجنسي - على الأقل بين المفكّرين والكتّاب المبدعين (وكذلك بين الرسّامين والنّحاتين الذين أخذت أعدادهم تتزايد باستمرار)، كما أخذ الناس ينشغلون بقضايا السياسة والمصير القومي، وهي أمور أثّرت على الأدب تأثيراً مباشراً. وقد شكّلت مأساة عام 1948 تحدّياً للتراث الأدبي، وأتاحت الفرصة للمفكّرين والمثقّفين أن يُخضعوا هذا التراث للتمحيص النقدي، وكان من شأن هذا الفحص النقدي أن يكون ظاهرة صحية لو أنه لم يدفع ببعض الكتّاب إلى أن يتّخذوا موقف الرفض المطلق فينكروا، ولو على حساب نزاهة البحث العلمي ودقّته، أي قيمةٍ لهذا الأدب الكلاسيكي الغنيّ المتنوّع. (يتبع) | |
| | ||
| | |
| | رقم المشاركة : [9 (permalink)] | |
| العضوة الكسولة ![]() ![]()
|
مأساة عام 1948 والشعر وقد تأثّر فنّ الشعر تأثّراً واضحاً بهذا الموقف الجديد، فغدا التحدّي للأشكال الشعرية الموروثة، التي كادت تبلغ حدّ القداسة في الماضي، قضيّة كبرى فتح فيها المجال على مصراعيه لا للبحث النظري وحسب، بل للآراء العاطفية كذلك، وذلك للمرة الأولى في تاريخ الشعر العربي. بدأت كتابة الشعر الحرّ، بوصفه تجربة جمالية خالصة، قبل مأساة فلسطين، بنشر نماذج عديدة من الشعر الحرّ، ولعلهما كانا قد اشتركا في التجريب الذي فاق محاولات أخرى سابقة وغير معروفة في هذا المجال.(45) غير أن تجربة السيّاب والملائكة حازت الإعجاب في الخمسينات، لا لأنها تجربة ناجحة فنياً وحسب، بل لأن المناخ النفسي، بعد سنة 1948، غدا متقبّلاً لفكرة تفكيك الشكل التقليدي - الذي كان محاطاً تاريخياً بهالة قداسة وقام على القافية الواحدة والأبيات ذات الشطرين - مما أخل بالنسق المتناظر والمتوازن الذي ساد القصيدة العربية منذ الجاهلية. لقد كانت هذه ثورةٌ لم يسبق لها مثيل في تاريخ الشعر العربي، إذ تلاشى تبجيل القديم بين الشعراء الشباب الذين بلغوا سن النضج في عقد الخمسينات، وشهدت العقود التالية تجارب جريئة وناجحة جداً في الشكل، تراوحت ما بين الشعر الحر وقصيدة النثر.(46) أما على المستوى الدلالي، فقد فرضت مأساة سنة 1948 أبعاداً جديدة على القصيدة من حيث الموضوعات والمواقف، كما أكّدت الدعوة الكبرى للالتزام الاجتماعي والسياسي بخاصة، وهي الدعوة التي تردّد صداها في جميع أرجاء الوطن العربي في أواسط الخمسينات، أن الشعر أيضاً يجب أن يكون ملتزماً اجتماعياً وسياسياً.(47) غير أن ما يجب التأكيد عليه هنا هو تزامن الهزّة السياسية التي حدثت في أواخر الأربعينات مع فترة أدبية جياشة بالتجريب والمغامرة، إذ كانت الرغبة في التجريب تتنامى باطراد منذ بداية القرن فكان المبدعون توّاقون لامتلاك أدوات أدبيّة جديدة، وصاحب ذلك اكتسابهم الواعي للنظرية الأدبية وتنامى معرفتهم المباشرة بالتطوّرات الحديثة في الأدب العالمي. وقد أدّى تدفّق الإبداع الشعري في الخمسينات، إلى جانب التجديدات المهمّة في الشعر، والاهتمام الجاد بالجماليات، والتطوّر المستمر في مجالي الفن القصصي والمسرحي وكذلك الجدل المحتدم في مجال النظرية- ذلك كله أدّى إلى ظهور مستوى عالٍ من الإبداع الجمالي في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد عجّلت مأساة عام 1948 بهذه العملية في مجال الشعر بشكل خاص وذلك للأسباب التي سبق ذكرها، بينما تطوّر فنّا القصة والمسرحية الحديثان بالسرعة التي كان يمكن أن يتطوّرا بها على كل حال. حيث أن هذين الفنين كانا ما يزالان قائمين على النماذج الغربية بصورة أساسية فإنهما لم يعتمدا على تقاليد صارمة يجلّها الناس بحيث يصبحان هدفاً لهذا الميل الجديد للرفض والتحدي للقديم. • القصة القصيرة والتطور وكانت القصة القصيرة تتطوّر تطوّراً ثابت الخطى، وتزداد صقلاً ورهافة مع ظهور المزيد من الكتّاب المثقّفين المتسلّحين بقدر أعظم من الشجاعة، وبمعرفة أوسع بالأشكال الجديدة في القصة العالمية وبالنظريات الجديدة التي ظهرت حولها. ومع أن القصص التي كتبها الفلسطينيون (والكثير من الكتّاب العرب) غالباً ما عكست الوضع الجديد من حيث الموضوع، فليس ثمة ما يدلّ على أن تطورها الفنّي في الخمسينات قد تسارع بسبب المأساة. • الرواية والتطور أما الرواية العربية، التي ظلّت موضع التجريب طوال الثلاثينات والأربعينات، فإن ازدهارها في أواخر الخمسينات وفي الستينات يعود بالدرجة الأولى إلى بزوغ نجم نجيب محفوظ وإلى نجاح تجابه وازديادها صقلاً وبراعة.(48) الشــّعْــر 1948- 1967 • الهجرة والتأثيرات الشعرية يعكس تطوّر الأدب الفلسطيني، على المستوى الجمالي، التطوّر العالم في المراكز الأدبية الكبرى في العالم العربي. وقد عرّضت هجرة الجماهير الغفيرة، من سكان فلسطين عام 1948، الشعراء والكتّاب في الشتات إلى تأثيرات جديدة عجّلت في نهاية الأمر بتطوّر فنّهم أكثر مما عليه حال معظم مواطنيهم الذين ظلّوا في أرض فلسطين أو ما أصبح يعرف بإسرائيل. غير أن الكتّاب الفلسطينيين، سواء منهم من كان منهم خارج إسرائيل أو داخلها، مرّوا بفترة من الذهول بعد كارثة عام 1948، واحتاجوا إلى بعض الوقت ليجدوا أنفسهم ثانية ويتابعوا مسيرة الإبداع المضنية. لكن بدا أن الكتّاب الفلسطينيين، خاصة أولئك الذين كانوا يعيشون في الشتات، قد تجاوزوا الهزّة الأولية مع حلول منتصف الخمسينات،وعاودوا نشاطهم بحيوية وعزم، فأصاب الشهرة عدد من الشعراء وكتّاب القصة، بل تبوأ بعضهم طليعة الإبداع الشعري والتجديد في الفن القصصي. • الشعر: بين سنتي 1948 و 1967 سأتناول هنا الشعر الفلسطيني الحديث على مرحلتين: ما كُتب منه بين سنتي 1948 و 1967، وما كُتب بع سنة 1967، وذلك بسبب التطوّر المعقّد للشعر الفلسطيني بعد سنة 1948 من ناحية، والتأثير الحاسم للأحداث السياسية على الشعر العربي بأسره وخاصة بعد سنة 1967 من ناحية أخرى، لكن هذا التقسيم لا ينطبق على تطوّر القصّة الفلسطينية التي لم تُبد - رغم تأثّرها بالأحداث السياسية - تغيّرات أساسية مشابهة في اتجاهاتها نتيجة لتلك الأحداث، وكان العامل الحاسم هنا النضج الفنّي للإبداع القصصي، إذ كان غسان كنفاني قد كتب أفضل عملين من أعماله، وهما رجال في الشمس و ما تبقى لكم قبل عام 1967 (عام 1963 وعام 1966 على التوالي)، بينما لا نلمح أيّ أثر لحرب 1967 في رواية جبرا السفينة(1970)، بل نجدها تركّز على أحداث سنة 1948. أما أعمال إميل حبيبي القصصية، التي سأتناولها فيما بعد، فهي أشدّ تأثّراً من حيث موضوعاتها بما خلّفته حرب سنة 1967 من آثار، ولكن لا يمكننا القول إن براعته الفنية في رواية الوقائع الغربية في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل(1947) تنبع من تلك الأحداث، إذ نجد فيها قدراً من النضج الفني لم يعرفه الأدب العربي من قبل، وهو نضج يعكس أسلوب الكاتب الخاص ومواقفه. • أبو سلمى كان أشهر من عرف من الشعراء في فلسطين، إبان عهد الانتداب، فدوى طوقان، التي بقيت في الضفة الغربية، وأبو سلمى، الذي استقرّ في دمشق. أما أشعار أبي سلمى،التي تعبر عن حنينه للوطن المفقود وعن شوقه العميق الدائم لمناظره الطبيعية وعن إيمانه بعودته الحتمية إليه، فقد حببته للآلاف من الفلسطينيين، حتى أطلقوا عليه لقب زيتونة فلسطين، رمزاً لعمق جذوره الفلسطينية وإيمانه الذي لا يتزعزع، غير أن شعره الذي كتبه في الشتات يبدو عليه شيء من الاضطراب والتكلّف، وهما صفتان لا نجدهما في شعره النّاري العفويّ المكثّف، الذي كتبه في فلسطين قبل سنة 1948، وكأن رؤيته قد اهتزت وفقدت ثباتها. ويتبدى ذلك بوجه خاص في إكثاره من استخدام الصور المجردة وفي تكراره للألفاظ ذاتها - على رشاقتها - دونما حاجة، إضافة إلى طرق موضوعات واهية وغير مقنعة. لكن قصائده ظلّت تأسر جمهوره - خاصة جمهور مستمعيه - إذ كان في الغالب يلقي شعره على غرار شعراء المنابر العرب (49) أمام حشود غفيرة من المستمعين في العالم العربي. وقد نشأت شعبيته عند هؤلاء المستمعين بسبب قصائده المرصعة بأسماء القرى والأنهر والجبال والشواطئ الفلسطينية، ولما في هذه القصائد من لمسة رومانسية تتبدّى في مزجه حبّ الوطن بحبّ المرأة التي سيلتقيها: وفي النسيمات التي شرّدت من ربوات القدس والجرمق سنلتقي ما فوق أرض الحمى ننشُر من أنفاسنا ما بقي في الكرمل المحزون بعد النوى على رمال الشاطئ الأزرق(50) والمرأة التي يخاطبها في أشعاره تبقى مخلوقاً مجرّداً لا اسم له، وشخصية يحنّ إليها بعيداً عن أي تجربة مجسّدة، وترتبط بالشاعر في المصير المشترك، ألا وهو النفي. لكن رغم إشارات الشاعر المتكرّرة إلى هذا النفي فإن شعره يقصّر عن التعبير عن الأبعاد الحقيقية لمأساة وطنه أو عن طموحات الفلسطينيين الحقيقية. • فدوى طوقان أما فدوى طوقان فقد تطوّرت بشكل مختلف، وظلّت شهرتها تنموا نموّاً مطّرداً شأنها شأن أبي سلمى، خاصة بعد حرب حزيران 1967، ولكنها عكفت على تطوير أسلوبها الخاص في التعبير بين عام 1948 و 1967، فأغنت الشعر العربي الحديث بالشعر الرشيق البعيد عن التكلف، المعبّر عن اكتشاف الأنثى لذاتها وفوزها في تحقيق هذه الذات.(51) كما خدمت الشعر بتحريرها للعنصر العشقي، وبتمهيدها الطريق للصدق العاطفي، متفوّقة في ذلك على معظم أبناء جيلها من الشعـراء الرجال. وخلافاً لمعظم الكاتبات اللواتي بدأن الكتابة بعد نكبة سنة 1948، أي في جو نفسي سادته روح الرفض للمفاهيم والقيم البالية، أظهرت فدوى طوقان مقدرةً فائقة على التعبير عن بهجتها بتحرّر الروح والجسد مع الحفاظ على اللياقة دون الانزلاق نحو ما شاع في بعض الأدب النسوي من الجرأة التي لا يضبطها ضابط. وقد عبّرت قصيدتها في العُباب التي كتبتها قبيل حرب حزيران سنة 1967، عن هذا التحرّر الداخلي العميق والسيطرة الغريزية على أدواتها الشعرية حيث تمتزج عناصر الحب والرغبة والتحليق الروحي بالحرّية الجسدية.(52) لكن مكانة فدوى طوقان الشعرية لم تبلغ ما بلغته من رفعة إلاّ بعد حرب سنة 1967، عندما انضمّت إلى المجموعة البارزة من شعراء المقاومة الذين كانوا يكتبون منذ زمن داخل إسرائيل نفسها، ويعبّرون عن احتجاجهم ضد الهيمنة الإسرائيلية. وعندما رأت فدوى طوقان وطنها يقع ضحية للاحتلال مرة ثانية، وشاهدت الهجرة الجماعية الجديدة للفلسطينيين الذين أجبروا على ترك مساكنهم،تحوّلت إلى صوت من أقوى الأصوات المنطلقة دفاعاً عن شعبها وعن حقوقه، وكثيراً ما كانت تظهر أمام الحشود الضخمة في الحملات سعياً للحفاظ على إيمان الناس بجدوى النضال والمقاومة. • العلاقة بين الداخل والمنفى ظلّ الشعراء والكتّاب الفلسطينيون داخل إسرائيل محرومين من لقاء أبناء بلادهم المهجّرين لسنوات عديدة، ولم يحصل أيّ اتّصال بين المجموعتين إلاّ في أواسط الستينات عندما اكتشف كتّاب الشتات بفرحٍ غير متوقّع – فيما يبدو – وجود نشاط شعري قوي خلف الجدران الحديدية التي فرّقت أبناء الشعب الفلسطيني، فعُرفت عند ذلك وللمرة الأولى أسماء توفيق زيّاد ومحمود درويش (الذي كان ما يزال يعيش في إسرائيل) وسميح القاسم، وأخذت أشعارهم تزوّد القرّاء العرب بسلاح لفظي قوي ضد الظروف المأساوية التي يحياها شعبهم. وقد قدّر لهذه الأسماء التي استُقبلت بابتهاج شديد أن تغدو مع مر السنين أسماء يعرفها الناس على انتشار رقعة العالم العربي. غير أنه كان من الواضح أن عزلة هؤلاء الشعراء عن زملائهم في العالم العربي لم تؤدّ بهم إلى الجهل بتيّارات التغيير والتجديد الشّعريّين، فقد ظلّوا على صلة وثيقة بالحركة الشعرية الثورية التي قامت في الخمسينات وما بعدها في المراكز الأدبية العربية، وهي الثورة التي أرست دعائم الشعر الحرّ وأحدثت ثورة في عناصر القصيدة الأخرى. ولئن ظل بعض شعراء الشتات مثل أبي سلمى وكمال ناصر وحسن البحيري مخلصين للأشكال الشعرية القديمة التي كانت سائدة قبل سنة 1948 فإن الشعراء الجدد الذين نضجوا في الستينات داخل فلسطين قد ظلّوا على صلة وثيقة بالأحداث الشعرية المهمّة التي كانت تجري آنذاك. وقد انتهى الأمر بأحدهم، وهو محمود درويش، إلى أن يترك إسرائيل في أوائل السبعينات ويصبح واحداً من أبرز الشعراء العرب في العصر الحديث وفي تاريخ الشعر العربي جميعه. (يتبع) | |
| | ||
| | |
| | رقم المشاركة : [10 (permalink)] | |
| العضوة الكسولة ![]() ![]()
|
• جبرا إبراهيم جبرا إن من المتعذّر، في هذه المقدّمة القصيرة، تتبّع جميع حركات التاريخ الأدبي وانعطافاته، لكن من المهم، رغم ذلك، أن نحاول إبراز التجارب التي أبدى فيها الشعراء والكتّاب ميلاً إلى التجديد وقدراً كبيراً من الإبداع. وكان من بين شعراء الشتات الذين ساهموا في ثورة الخمسينات الشعرية كل من توفيق صايغ وجبرا إبراهيم جبرا وسلمى الخضراء الجيوسي. وأظهر جبرا (إلى جانب نقده الأدبي القيّم) ميلاً مبكّراً نحو القصّة، وغدا فيما بعد واحداً من أبرز الروائيين في العالم العربي. وكان – بصفته شاعراً – من أوائل الذين أدخلوا قصيدة النثر إلى الأدب العربي والذين استخدموا أساطير الخصب التي شاعت في الشعر العربي في أواخر الخمسينات. كما ساهم جبرا في الواقع بتعريف الشعراء العرب بهذه الأساطير من خلال ترجمته البارعة عام 1957 لذلك الجزء من كتاب فريزر الغصن الذهبي، Frazer the Golden Bough الذي يعالج أساطير أدونيس أو تمّوز (كما كان لعدد من شعراء الغرب أثر في هذا المجال، خاصة ت.س. إليوت T.S.Eliot). وقد عكس استخدام هذه الأساطير، التي يبعث فيها الإله فيعود معه الخصب والحياة إلى العالم، أملاً عميقاً بأن تنطلق الروح العربية ثانية بعد نكبة سنة 1948، وإيماناً متجدداً بإمكانية البعث بعد الموت الرمزي. • توفيق صايغ غير أن توفيق صايغ كان أول شاعر فلسطيني من شعراء الخمسينات يؤسّس للاتجاه الحداثي في الأدب العربي، وهو اتجاه كان ما يزال في مهده. فقد نشر أوّل مجموعة له من الشعر النثري الطليعي بعنوان (ثلاثون قصيدة) سنة 1953، ولكن دون أن تثير الانتباه إلى خصائصها الحداثية، وكان الشعراء وقرّاؤهم يتوقعون في ذلك الوقت نوعاً مختلفاً تماماً من الشعر، إذ كان الشعر يطمح إلى أن يكون حديثاً(54) لا حداثياً، ولم يكن مفهوم الحداثة في الأدب قد بحث بأي تركيز، بل إنه لم يكن قد اكتشف بعد.(55) لم يبرز مفهوم الحداثة ويصبح قضية في الشعر إلاّ في أوائل السبعينات، حيث غدا مفهوماً لعدد كبير من المناقشات والكتابات. لكن هذا المفهوم بقي حتى الآن مسألة غامضة بالعربية رغم كثرة ما نشر حوله من كتب ومقالات قدّم الكثير منها في المؤتمرات المختلفة. وهناك أسباب عديدة لذلك، أهمّها اثنان: الأول، أنه لم يكن ممكناً ربط الحداثة العربية بحركة الحداثة الأوربية التي ظهرت خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، ذلك أنها حركة انبثقت من حافز خاص كان غائباً في التجربة العربية. وثانيهما أن بعض كبار الكتّاب الذين تناولوا الحداثة العربية كانوا يحاولون دون نجاح مواءمة المفاهيم التي كانوا يصوغونها مع الشعر ومجازاته، الرغبة في التدمير، رفض المؤسسات القائمة، إلخ) بقيت عناصر كثيرة في شعره (رؤيته لذاته بصفته البطل والحكيم والنبي المهيمن الذي لاتّحد معرفته حدود) تقف حائلاً دون التوفيق بينها وبين الرؤية الحداثية الأصيلة. وكان هذا التصوّر البطولي للسيّد البطل الذي يرتفع عن الظروف ويمتلك القدرة على تعليم الناس وتنوير عقولهم (وهذه صورة ربما ناسبت زمنها ولكنها – قطعاً – لم تكن صورة حداثية) – كان هذا التصور إلى جانب الأسلوب البلاغي الذي ظلّ موجوداً في الكثير من هذا الشعر هو الذي وقف حائلاً بين العديد من الشعراء الموهوبين في الخمسينات (ممن عرفوا فيما بعد بجيل الروّاد) وبين الحداثة الحقّة. ويجب ألاّ ننسى أن عقد الخمسينات قد سادته الرغبة في التجديد والانعتاق من عقدة الذنب وفي تغيير العالم، بعد هزيمة سنة 1948. وغالباً ما عبّرت هذه الرغبة عن نفسها بالعنتريات الزائفة أو على الأقل بالتأكيد علىالقوّة والتحدّي، وعلى الغضب والرفض الصارخ، فحافظت بذلك على بلاغة اللغة الشعرية التفليدية، وعلىنبرتها المؤكدة للذات ولهذا فإن لهجة توفيق صايغ الخفيضة وأسلوبه الشعري البعيد عن البطولية لم يجتذبا الكثير من الاهتمام بين معاصريه. وحتى اليوم، مع أن ثمة اتجاهاً حداثياً أصيلاً أخذت خطاه تثبت بهدوء مع مطلع الثمانينات، إلاّ أن النقّاد الذين يحاولون الكتابة عن الحداثة لم يركّزوا على هذا الاتجاه الحداثي الجديد ولا على تجربة توفيق صايغ الأكثر تبكيراً، |